منذ أُثيرت قضية القرار الاتهامي الذي يمكن ان يصدر عن التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، ومنذ ان بدأ الحديث مباشرة او مداورة عن دور مفترض يمكن ان تقوم به المملكة العربية السعودية وخادم الحرمين الشريفين شخصيا لتأجيل صدور هذا القرار، دأبت الرياض دائما على المسارعة الى الرد والتوضيح، مؤكدة انها لا تتدخل من قريب او بعيد في كل ما يتصل بالتحقيق الدولي او بالمحكمة التي شُكلت في مجلس الامن وفق الفصل السابع، بما يعني عمليا وقانونيا ان ليس في وسع اي دولة او زعيم ان يتدخل ليرسم اتجاهات او يفرض خطوات عليها.
بعد القمة الثلاثية التي كانت قد سبقتها قمة الملك عبدالله والرئيس بشار الاسد اللذين وصلا سوية الى بيروت، تكاثر الحديث، سواء على ألسن بعض السياسيين اللبنانيين او في بعض الوسائل الاعلامية اللبنانية، عن دور مفترض قيل ان الملك عبدالله وعد او انه التزم القيام به لدى الجهات الدولية بهدف تأجيل صدور القرار الاتهامي، الذي كان يتردد انه سيصدر في اواخر شهر ايلول المنصرم، وذلك كخطوة اولى يفترض ان تليها خطوات ثانية، تتمثل في ايجاد المخارج التي تلغي المحكمة وتنهي عملها.
كل ذلك طبعا على خلفية الاحتقان المتزايد في لبنان الذي يهدد الاستقرار وينذر بنشوب فتنة مذهبية بين السنة والشيعة، من منطلق ما قيل تكرارا عن ان قرار المحقق دانيال بلمار سيتهم عناصر من "حزب الله" بالتورط في الجريمة!
❐ ❐ ❐
ولكن لهجة النفي السعودي تصاعدت تكرارا بالتوازي مع تصاعد الحديث عن هذا "الالتزام"، الذي قيل ان الملك عبدالله قطعه على نفسه او انه وعد به. وفي هذا السياق دأبت الرياض دائما على القول ان سياستها تدعم بقوة راسخة الوفاق والتفاهم بين اللبنانيين وانها دفعت وتدفع في هذا الاتجاه دائما، سواء عندما ظهرت بوادر مقلقة في بيروت صيف عام 2006، عندما بذل السفير السعودي آنذاك الدكتور عبد العزيز خوجة، الذي صار وزيرا للثقافة والاعلام، وبتوجيه شخصي من الملك، جهودا كثيفة وحثيثة لدعم التفاهم وحلّ الاشكالات والسعي الى تعميق الحوار وترسيخ اسس الوحدة الوطنية، وسواء الآن عندما يحرص السفير علي عواض عسيري وبتوجيه من القيادة السعودية على مواصلة هذه السياسة التي تشكل اساسا للديبلوماسية السعودية في دعوتها دائما الى الوفاق والتفاهم والوحدة بين الاشقاء في لبنان والدول العربية.
رغم الحرص السعودي الدائم على نفي اي تدخل في موضوع المحكمة، وصل الامر اخيرا الى نشر كلام في بيروت، يقول ان هناك اتجاها سعوديا الى "نسف المحكمة الدولية"، لان لبنان لم يعد اولوية بالنسبة الى الرياض المنشغلة بمستقبل العراق والسلطة التنفيذية فيه.
السفير عسيري حرص يوم السبت الماضي على الرد والتوضيح، عندما قال لصحيفة "الشرق الاوسط" ان الرياض ليست في وارد التدخل في موضوع المحكمة، لا لجهة القرار الاتهامي ولا لجهة المحكمة عينها، وان موضوع المحكمة يتعلق بمجلس الامن وحده، وهو خارج يد الجميع.
وانسجاما مع سياسة الرياض التقليدية المعروفة الداعية الى الوئام والتفاهم وتعميق الحوار وترسيخ الوحدة الوطنية اللبنانية، وهو ما ركزت عليه القمة الثلاثية وتصريحات الملك عبدالله والرئيس بشار الاسد، كشف عسيري انه اقترح على "حزب الله" تأليف "لجنة لبنانية من الموالاة والمعارضة مهمتها وضع تصور منذ الآن لاحتواء اي تداعيات يمكن ان يحدثها اي قرار سوف يصدر عن المحكمة، سواء كان سلبيا او ايجابيا، وذلك لمنع انفلات الامور والوصول الى ما لا تحمد عقباه".
❐ ❐ ❐
ورغم حرص عسيري على التذكير بان مواقف المملكة لا تخرج على ما حدده الملك عبدالله في بيروت، عندما دعا الاشقاء اللبنانيين الى اعتماد لغة العقل والحكمة والحوار والى التكاتف والوحدة من اجل المصلحة الوطنية العليا، فان كلامه وجد تفسيرات مستغربة، على قاعدة اصرار البعض على ان الملك تعهد معالجة مسألة المحكمة، وان الحديث عن عدم خضوعها للتدخلات او التأثيرات، انما هو تعبير عن تراجع السعودية عن اي وساطة او تدخل او مساع لمنع صدور القرار الاتهامي بحق عناصر من "حزب الله" وذلك نتيجة تشدد اميركي في هذه المسألة!
مثل هذا الكلام لا يخرج طبعا عن سياق الزوبعة المتصاعدة من الاخبار والسيناريوات وحتى التعميات المتناقضة التي تشهدها قضية المحكمة والقرار الاتهامي. لكن المثير، انه رغم دعوة السفير الى تشكيل لجنة وطنية تدرأ عن البلد اي تداعيات مضرة، ورغم تأكيده ان الرياض لم ولن تتدخل في قضية المحكمة، وان هناك عدوا اسرائيليا يتربص بلبنان واللبنانيين وهو ما يفرض تفاهمهم ووحدة موقفهم، فان كلامه وجد من يرى الابيض فيه رماديا او ملتبسا!