#adsense

الأواني المستطرقة

حجم الخط

أربعة عناوين تجاورت على الصفحات الأولى من صحف أمس لا يمكن اللبناني إلا أن يقرأها معاً:
1 – 33 مذكرة توقيف غيابية سورية في حق قضاة وضباط وسياسيين وإعلاميين لبنانيين.
2 – نتنياهو يدرس تجميد الاستيطان مقابل رزمة ضمانات أميركية.
3 – السعودية تنفي ارتياحها إلى ترشيح المالكي لولاية ثانية.
4 – الأسد ونجاد ينتقدان المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية.

ولاستكمال المغزى السياسي لهذا التجاور لا بد من قراءة عنوان خامس:
5 – دمشق تكرّر التمسّك بالوساطة التركية (للتفاوض مع تل أبيب برعاية أميركية)

توحي القراءة المتأنّية لما تحت كل عنوان أنّ المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية لم تجهض بعد، وأن الأبواب لم تغلق للعودة إليها، وان دمشق التي تتضامن مع طهران في الممانعة في وجه الاعتدال العربي، لا تمانع في الاعتدال باللغة التركية. وحين يلتفت القارئ إلى موقف السعودية من المالكي، ويتنبّه إلى توافق أميركي – إيراني (سوري) عليه، يجد مطلاً أوسع لقراءة العنوان الأول، أي مذكرات التوقيف السورية، ويفقه معنى صدورها فجأة، تسللاً، فيما رئيس الوزراء اللبناني قصد الرياض فجأة وعلناً.

ليس لبنان ساحة لتصفية حسابات دولية – اقليمية – عربية، فحسب، بل هو الساحة (مع أل التعريف) التي لا يزال فيها مَن يعتقد انه يقارع "العدو الامبريالي" و"يعمّق العملية الثورية" وان جدار برلين لما يزل يقسّم أوروبا والعالم، ويجاوره مَن يظن ان الزمن يمكن أن يستعيد أمسه. وإذا كان "عصر" المصالحات العربية انطلق في قمة الكويت فذلك لايعني أن التفاصيل قد بتت، وأن المصالح قد حفظت. فالبعض يعاند في محاولة تعديل بعض التفاصيل، وجني مكاسب غير مستحقة إلا في حساباته، لمجرد أن الآخر صادق النية في طي صفحة ما مضى. ولأن ميادين فلسطين والعراق ولبنان، كالأواني المستطرقة، يحاول من لا يربح في واحدة أن يساوم في أخرى. فكيف إذا كان يريد أن يربح في اثنتين أو ثلاث معاً؟ وكيف إذا كان يقف في "البور"، ويجد من يدعوه، الى الفلاحة، ويملك للحالين عدتهما؟

هو نزال في التفاصيل، بعدما كان نزالاً من أجل الانتصار الناجز. اتفقت الجهتان على عدم الاحتراب، لكنهما لم تتوافقا على تفاصيل التهدئة. وفي كل جهة أطراف تتدرج من المحلي إلى العربي والاقليمي فالدولي، وصفاء النيّات، علناً، من فوق، لا يعني صفاءها، ضمنا، ومن تحت. فلكل حساباته، وزاوية رؤية، ولبعض الأطراف انتصار تفصيلي يبحث عنه ليس لدى الندّ المباشر بل لدى مَن يعضده، ومَن يلوذ به.

لا تقع مذكرات التوقيف خارج هذه الصورة، تماماً كما حديث "الانقلاب على الانقلاب" و"ضرورة" تخلص الرئيس الحريري من طاقم المعاونين والمستشارين والمقربين.

هي عناوين لا تأتي من المصدر مباشرة بل من المريدين الخلّص، ليسهل القول إنها نصائح منهم وليست إملاءات. تماماً كحال إعلان المذكرات: لا شيء رسمياً في صددها، لكن وقعها حرّك زوبعة في الحياة السياسية، من دون أن يعبر البوابة المؤسساتية للعلاقة بين دمشق وبيروت.

الموضوع سيأخذ مداه في "الزجل" السياسي، لكن المدى الحقيقي يبقى في التناول القضائي، خصوصا أن من يرفضون المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بحجة أن اعتمادها هو لاحباط القضاء اللبناني، لا يترددون في تحقيره سواء بالمذكرات نفسها أو بطريقة الاعلان عنها كأنها إعلان وصاية قضائية على اللبنانيين.
الصمود والثبات والهدوء، من دون الصمت، هي العنوان الأنسب لمرحلة المصالحة العربية. لبنان فيها وفي أساسها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل