#adsense

رجال مال ينهضون بلبنان ورجال سياسة ينحدرون به

حجم الخط

علامة فارقة استرعت انتباه كُثر في الداخل والخارج
رجال مال ينهضون بلبنان ورجال سياسة ينحدرون به

علامة فارقة في لبنان لفتت كثيرين في الداخل والخارج، هي ان التصعيد الكلامي المتبادل بين الزعماء السياسيين وما يحدثه هذا التصعيد من توتر وتسميم للاجواء، يقابله استقرار نقدي وزيادة في النمو، وهذا يؤكد ان الاوضاع الاقتصادية والمالية في البلاد لم تعد تتأثر كما في الماضي بالاوضاع السياسية ولا بمواقف الزعماء السياسيين التصعيدية، بل باتت منفصلة عنها ولا تؤثر فيها سوى الاضطرابات الامنية الواسعة والخطيرة. وهذا ما يجعل رجال المال والاعمال والاقتصاد يكررون دعوتهم الى الحفاظ على الاستقرار الامني كي يتأمن استمرار الاستقرار الاقتصادي والمالي.

أما لماذا كانت هذه العلامة الفارقة بين التصعيد السياسي والصعود الاقتصادي؟ فلأن ثقة الناس هي بحكمة قادة القطاعات الخاصة من رجال مال واعمال ومصارف وحسن تصرفهم استطاعوا بنهجهم وأدائهم السليمين ان يجعلوا لبنان يتجاوز تداعيات الازمة المالية التي عصفت بدول كثيرة في العالم. واذا كان الاقتصاد ثقة، وقد كان كذلك فعلا لا قولا، فان سلطة الدولة هيبة لكنها بكل اسف لم تكن كذلك.

والثقة برجال المال والاقتصاد بدأت مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامه منذ استطاع بحسن قيادته وصواب رؤيته ان يجعل المال الجبان شجاعا ولا يخاف الانقسامات السياسية على حدتها ولا حتى الاضطرابات الامنية، لان الثقة به وبهؤلاء الرجال بلغت حد تصديق ما يقول وليس ما يقوله سواه، فكان ان اطمأن اللبناني وغير اللبناني الى مصير العملة الوطنية باعتماد سياسة الاستقرار النقدي التي اثبتت التجربة صحة اعتمادها ونجاح تطبيقها رغم انتقاد بعض المنتقدين بدوافع شتى، فكان الاقبال على الايداع بالليرة في المصارف، وارتفاع غير مسبوق في قيمة العقارات وازدياد في حركة تحويل الاموال الى المصارف اللبنانية وتهافت على شراء شهادات الايداع بالليرة التي يصدرها مصرف لبنان مما ادى الى خفض الفائدة وتمكين المصرف من التحكم بالسيولة بالليرة، كما انخفضت كلفة التأمين على المخاطر الائتمانية اللبنانية. وقد دل ذلك على الثقة بالوضع النقدي والمصرفي والقدرة الائتمانية لدى الدولة، فتحقق نمو الودائع المصرفية وزاد وضع الليرة اللبنانية قوة ومتانة مع استمرار الاسواق عارضة الدولار وبلغ احتياط مصرف لبنان بالعملات الاجنبية مستويات قياسية وحقق تسجيل فائض في ميزان المدفوعات لان حركة التحويلات من الخارج، ولا سيما من اللبنانيين العاملين فيه، وحركة الاستثمار في لبنان نشطتا في شتى القطاعات وخصوصا في قطاع البناء بفضل الثقة بالاقتصاد في لبنان وبالقطاع المصرفي ومن اجل توفير فرص عمل جديدة تحد من هجرة الشباب. لكن قلة الثقة هي بكثير من رجال السياسة الذين لا عمل لهم سوى المشاحنة والمناكفة والتناحر وتبادل الاتهامات والتخوين وتوتير الاجواء، لا لشيء الا صراعا على السلطة وعلى سياسة قم لأقعد مكانك… فلم يتم إقرار الاصلاحات التي وعد لبنان بها في مؤتمر "باريس 3" لخفض عجز الموازنة ولاعطاء اشارة ايجابية حول خفض الفوائد للمساعدة على تحقيق النمو الاقتصادي وتوجيه الموارد الموجودة في القطاع المصرفي الى القطاع الخاص بشكل اكبر مما هو حالياً، وتوظيف احتياط المصارف في مصرف لبنان من اجل اعطاء قروض سكنية يصبح معها لكل لبناني مسكن، وكذلك تحسين الاوضاع الاجتماعية بحيث يصير كل لبناني مضموناً ولا سيما من بلغ منهم سن الشيخوخة.

وبعدما اظهر القطاع المصرفي متانة وقدرة على تجاوز الازمات بفضل القيمين عليه واهتمامهم بادارة المخاطر على رغم تعدد الهزات السياسية والامنية التي عصفت بلبنان وفي ظل ما عصف من سلبيات بالاسواق الدولية، فقد ساهمت في ترسيخ العمل المصرفي السياسة الرقابية الحكيمة لمصرف لبنان بحيث جعلت من المصارف ملاذا آمنا وموضع ثقة للمودعين المقيمين وغير المقيمين وبات في امكان السيولة المرتفعة ان يقدم القطاع الخاص التمويل والتنفيذ او الادارة اللازمة لمشاريع البنية التحتية والاستثمارات العامة، وهو امر متعارف عليه في الكثير من البلدان. وقد اكد حاكم مصرف لبنان ان لا مخاطر جدية على المصارف من القطاع الخاص لان الطلب حقيقي وليس مضاربة، وان اشراك القطاع الخاص في تمويل تنفيذ مشاريع مبادرة جيدة تمنع زيادة الدين، وقال ان مصرف لبنان كرس جهوده مدى 17 عاما لبناء نموذج مالي يوحي الثقة وبرهن عن مناعة امام التحديات السياسية والامنية والاقتصادية ولا سيما الازمة المالية العالمية.

واذا كان رجال المال والاقتصاد واهل القطاع المصرفي قد نجحوا في تطبيق سياسة مالية سليمة ورشيدة فبقي لبنان بمنأى عن تداعيات الازمة المالية العالمية، فان انجازاتهم المهمة قد تتبخر اذا ظل بعض اهل الحكم والحكومة يحاولون جعل الاقتصاد في خدمة السياسة وليست السياسة في خدمة الاقتصاد، واذا كان هؤلاء قد دقوا اجراس النجاح في غير دولة من دول العالم، فانه يخشى ان يدق السياسيون المتناحرون والمصلحيون حتى على ابسط الامور، جرس الانذار بانهيار لبنان… فالاستثمار في لبنان يحتاج الى ثقة بسياسة الدولة السليمة وان حكومة ما يسمى "وحدة وطنية" هي امام اختبار الانتاج والتنفيذ، وهي وحدها ستكون مسؤولة عن تراجع النمو، وعليها ان تختار بين ان يكون لبنان جبهة مقاومة وتصدّ او جبهة مساندة ليظل مركزا للمال والاستثمار، ولا تظل التجاذبات السياسية تطارد المشاريع الاقتصادية والانمائية، وان انعكاسات التوترات السياسية اذا كانت اقل من المتوقع على الاسواق المالية فلأن هذه الاسواق باتت تمتلك المناعة التي تجعلها قادرة على مواجهة هذه التوترات وعدم الاكتراث والمبالاة بتصريحات السياسيين مهما بلغت شدة وتصعيدا لانها باتت قادرة على الجمع بين النمو الاقتصادي والهشاشة الامنية، وان تجعل لبنان يعتاد عبور خط الزلازل واثبات حضوره في العالم الاقتصادي.

فعلى حكومة "الوحدة الوطنية" اعتماد السياسة العاقلة والرشيدة التي تؤدي الى اطفاء الدين العام، سواء باعتماد الخصخصة الكاملة او الجزئية لبعض مرافق الدولة او اعتماد وسيلة اخرى ناجعة، ومطلوب منها وهي توزع الاموال في الموازنة العامة، خفض العجز لان اي عجز اضافي غير محتسب يشكل عبئا اضافيا على الخزينة وحتى على الاستقرار النقدي ويؤخر خفض الفوائد، وعليها ايضا ان تأخذ بخريطة الطريق المالية التي تدعو الى عدم زيادة ارقام الانفاق لئلا تقع الخزينة في عجز اضافي خصوصا ان بعض القطاعات تهدر فيها الاموال ولا امل في استرجاعها مثل قطاع الكهرباء. فلبنان قد لا يبقى في منأى عن الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية اذا لم توضع له موازنة مدروسة وشفافة وليس بتوزيع عشوائي او سياسي لارقامها كي لا يهدر ما حققه مصرف لبنان وما نجح في تحقيقه القطاع الخاص ولا سيما القطاع المصرفي. فالعجز السنوي في الموازنة وخدمة الدين العام امران مرتبطان بعضهما ببعض ويمنعان الاقتصاد من تحقيق النمو المطلوب. لذلك فان خفض العجز هو التحدي الاساسي كي يستطيع مصرف لبنان الاستمرار في سياسة لجم التضخم والمحافظة على الاستقرار النقدي. فكما ان هذا المصرف لا يزال ممسكا بالوضع المالي، فان على السلطة ان تمسك بالوضعين السياسي والامني، لان اي خلل فيها من شأنه ان يهدد النمو ويفرض ادارة الازمات وليس حلها او مواجهتها بنجاح.

المصدر:
النهار

خبر عاجل