صحيح ان مذكرات التوقيف السورية لم تفاجئ البعض، كونها بلا مردود قضائي مهما اختلفت النظرة اليها. غير ان من يظن انها مذكرات قابلة للترجمة فانه لا يعرف شيئا اكثر من مجرد النظر الى البعد الحقيقي للعلاقات القائمة بين البلدين، خصوصا عندما يقال في اوساط لبنانية معينة ان ما قدمه زعيم الاكثرية رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري الى السوريين جاء اقل كثيرا مما يطالبون به، لاسيما ان حلفهم مع المعارضة يبقى اقوى من تطلعهم الى علاقة وطيدة بين البلدين. لذا، جاءت مذكرات التوقيف بمستوى التزام دمشق خط الوفاء لقوى 8 اذار اكثر من همها المتعلق بالرابط المرجو بين المؤسسات الرسمية!
وعندما تقول قوى 14 اذار ان التصرف السوري لا يرقى الى مستوى الرغبة اللبنانية في تحسين العلاقات المشتركة، هناك من يلفت الى ان ما صدر عن الرئيس الحريري بالنسبة الى العلاقة مع سورية، لم يؤخذ به من جانب حلفاء تيار المستقبل، ان من قبل القوات اللبنانية، او حزب الكتائب وحزب الاحرار، قياسا على البقية الباقية من القاعدة الشعبية لمسيحيي 14 اذار، الامر الذي لم يحمل الحريري على تقديم اكثر مما قدمه من تنازلات، في حال سلمنا جدلاً بانه تنازل عن بعض خصوصيات خلافه مع دمشق. وهذا ينطبق بدوره على ان السوريين يطلبون اكثر من رقعة اعتذار الحريري، بل ابعد من اعادة تصويب علاقتهم مع المسيحيين من غير التيار الوطني الذي بدا من خلال ما قدمه النائب ميشال عون في لقاءاته مع الرئيس بشار الاسد وفي مجموعة زياراته الى دمشق مختلفا حتى العظم!
تقول اوساط مطلعة ان "صداقة عون للسوريين لا تشفي غليلهم" طالما ان الاخير لا ينطلق من موقف سياسي مستقل شكلا ومضمونا، نظرا لارتباطه الوثيق والعضوي مع حليفه حزب الله، مع ما يعنيه ذلك من مصلحة للعونيين في جني ارباح سياسية لم تتطور الى ارباح وطنية في حال تراجع حزب الله عن توظيف ثقله السياسي في المغامرات الانتخابية وترى الاوساط المشار اليها، ان "من الخطأ الاعتقاد ان اندفاع عون باتجاه سورية هو نهاية المطاف السياسي عندما يحين اوان المحاسبة الشمولية!
وطالما هناك اجماع من جانب المعارضة الاسلامية مقتصرة الى الطائفة الشيعية، فثمة من يجزم بأن مسيحيي التيار العوني يستحيل عليهم القول ان الاصطفاف الحاصل بين الشيعة وبين فئة من المسيحيين اقل مما ترغب فيه دمشق، بل اكثر بكثير مما يكفل احداث صدمة سياسية شعبية في لبنان، لمجرد ان ما هو حاصل من تناغم بين حزب الله ومسيحيي عون يعكس نسبة مئوية غير قادرة على تجسيد اكثرية الصوت الواحد، فكيف بالصوت الذي يكفل تحقيق اكثرية نيابية؟!
وفي عودة الى مذكرات التوقيف فإن السوريين يعرفون ان تصرفهم يمكن ان يصعب عليهم عملية التفاهم مع لبنان من سلطة الى سلطة فيما تدرك دمشق انها امام هكذا تصرف ستجد من ينتقدها، من غير حاجة الى التلطي وراء مقولة جر قوى 14 اذار الى تغيير نظرتها وتعاطيها مع دمشق (…) ومع ما تراه دمشق من علاقة ملحة مع الجانب الايراني الذي يتصرف في هذه الاونة وكأنه نصف المشكلة اللبنانية ومعها نصف المشكلة العراقية ونصف المشكلة الفلسطينية. وطبعا هناك مشاكل اخرى من المستحيل تبرئة طهران منها، ان لجهة نظرتها الى الوضع العام في دول الخليج العربي او لجهة التصرف الايراني الحذر مع بعض جيرانها!
لقد جاء تطبيل بعض المعارضة لقرارات التوقيف السورية بمستوى التزمير المرافق لاحتمالات توجيه المحكمة الجنائية قرارها الـظني الى حزب الله بالنسبة الى جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فيما يعرف الجميع ان قراراً بحجم ما هو مرتقب من جانب محكمة لاهاي لا يقاس بحجم ما صدر من قرارات عن المحكمة السورية، خصوصاً ان الاستنابات الصادرة عن محكمة دمشق تتطلب صب الجهد على قياس رد الفعل الدولي (…) فيما يعرف الجميع مسبقاً ان رد الفعل في لبنان اقتصر على كلام بلا مبنى ومن دون معنى لبعض من يحمل صفقة سابقة من عمر ما قبل 14 شباط 2005 وبعده جرائم الاغتيال السياسي؟!
ولان القرار القضائي السوري يحتاج الى من يعمل بموجبه في لبنان، فان القرار الجنائي الدولي لا بد وان يطاول ما ليس بوسع من سيتهم باكثر من اللجوء الى السراديب ليمنعوا عن انفسهم من يقدر على ترجمة الاحكام، بعكس ما هو قائم ازاء الاحكام السورية!
اما لماذا صدرت الاحكام السورية في هذا الوقت وفي مجال القول ان رد الفعل اللبناني لن يسلم بهكذا تصرف (…) فهذا عائد الى تصرف قد يؤدي بالعلاقة مجددا بين الجانبين الى نزعة سلبية ليس فيها ما يؤكد وجود استعداد للتقدم الى الامام؟!