#adsense

مذكرات توقيف مسار بناء الثقة بين الدولتين

حجم الخط

لا يصدق اي مراقب سياسي او محلل للوضع اللبناني ولا سيما لملف العلاقات اللبنانية – السورية المتجددة ما صدر بالامس من القضاء السوري من مذكرات توقيف لشخصيات لبنانية رسمية وغير رسمية اقل ما يقال عنها من الناحية القانونية بأنها غير قانونية. وكان حري بالقضاء السوري اعلان عدم اختصاصه في النظر بادعاءات جميل السيد امامه ضدهم لانهم لبنانيون او اجانب والجرم المدعى به ارتكب على ارض لبنانية ولان قسما كبيرا منهم هم مسؤولون يحوزون على حصانة وظائفهم ومناصبهم الرسمية. ومن الناحية السياسية، جاءت المذكرات كمؤشر معبر جدا عن تبدل المزاج السوري حيال مبادرات وجهود الرئيسين سليمان والحريري في فتح صفحة جديدة للعلاقات المؤسساتية بين الدولتين.
وفي هذا الاطار نتوقف عند الاتي:

اولا: اذا كان النظام السوري لا يقر ولا يعترف بالنظام القضائي الدولي الذي يعتبره نظاما مسيسا ويتماشى مع حلفائه اللبنانيين في قوى "8 اذار" في هذا التفسير، فاننا ومن باب اولى نعتقد صادقين بأن النظام القضائي السوري لا يتمتع باختصاص اتهام الاخرين من جنسيات اخرى ولا يتمتع باختصاص مكاني او موضوعي دولي يجيز له اصدار مذكرات توقيف واحكام قضائية بحق الاخرين. فإن كان لدى النظام السوري اي ادعاءات على بعض اللبنانيين فعليه التوجه الى المحاكم الدولية لملاحقتهم قضائيا ووفقا للاصول لا ان ينصب القضاء السوري نفسه قضاء دوليا عابرا للحدود يسمح لنفسه باصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين في بلد اخر ومن جنسيات اخرى وفي قضية لا تمت بعلاقة الى ارض الجمهورية العربية السورية.

ثانيا: ان توقيت هذه الخطوة القضائية المفاجئة غداة القمة الايرانية – السورية يطرح اكثر من علامة استفهام حول المغزى السياسي وان كانت الرسائل التي يمكن استنتاجها لا تصعب على قارئ لخريطة التحالفات الداخلية والاقليمية – لكن ابرز ما يمكن قوله في الرسائل والتداعيات هو نسف واضح من جانب السوريين لمفاعيل القمة العربية الثلاثية الاخيرة في قصر بعبدا بين الرئيس اللبناني والعاهل السعودي والرئيس السوري – لان القيادة السورية تعلم علم اليقين بان اي خطوة وان غلفت بطابع قضائي قانوني ضد طرف واحد من الاطراف السياسية المتنازعة في لبنان تعني عمليا انحيازا سوريا واضحا الى فريق داخلي ضد الاخر، الامر الذي يقضي سياسيا من جهة على جهود رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ومن جهة اخرى ينعي التفاهم السوري – السعودي ومفاعيله. من هنا فان الخطوة القضائية السورية باصدار 33 مذكرة توقيف اقرب ما تكون الى مؤشر اعلان سوري رسمي عن طريق القضاء باصطفاف سوريا مجددا الى جانب حلفائها في لبنان وانضمامها العلني الى معركة اسقاط المحكمة الدولية كنتيجة اولية للقمة السورية الايرانية الاخيرة.

ثالثا: ان السابقة القضائية السورية الحالية تفتح الباب ولو من نافذة سياسية – اعلامية او على سبيل الكلام المبدئي – وعلى الرغم من عدم القانونية والشرعية لمثل مذكرات التوقيف السورية هذه – الى قيام الكثيرين في لبنان بالادعاء على مسؤولين سوريين في النظام السوري الحالي كما السابق بمجرد اقامة دعاوى قضائية ضدهم في لبنان وامام القضاء اللبناني. فالملفات القضائية حافلة في لبنان ضد النظام السوري ومسؤوليه، والمتضررين منه خلال وبعد انتهاء الحرب لا يحصون ولا يعدون. فان كان النظام السوري يعتبر نفسه صاحب اختصاص لاصدار مذكرات توقيف بحق لبنانيين ليسوا مقيمين على ارض سورية ولا ارتكبوا مخالفات للقوانين السورية، فيجب ان يكون بلا شك للقضاء اللبناني وعملا بمبدأ المعاملة بالمثل نفس هذا الاختصاص وسلطة الولاية القضائية على سوريين في الاراضي السورية مع فارق واحد اساسي هو ان النظام السوري لديه في لبنان ارتكابات واضحة ومفضوحة على الارض اللبنانية وضد لبنانيين وبما يخالف القوانين اللبنانية. الامر الذي، وخلافا لولاية القضاء السوري، يثبت احقية وقانونية وشرعية الولاية القضائية اللبنانية على المسؤولين السوريين.

رابعا: اننا نعتبر ما حصل من اصدار لمذكرات توقيف بحق مسؤولين وشخصيات لبنانية قرار سياسي سوري بالهجوم على الرئيس الحريري وقوى "14 اذار" في لبنان والخط السيادي والاستقلالي في لبنان والمؤيد للمحكمة الدولية – وهذه الخطوة لن تساهم الا في تأجيج حدة التوتر الداخلية في لبنان. فمرة جديدة وللاسف – يفوت النظام في سوريا فرصة التقرب من كل اللبنانيين ويفضل التقوقع بين حلفائه الداخليين والجمهورية الاسلامية الايرانية بدل الخروج الى الباب الواسع في ملاقاة الاخرين سواء في لبنان او العالم. مرة جديدة وللاسف وكما كل مرة على مد تاريخ العلاقات المعقدة بين لبنان وسوريا تعود الامور الى الصفر كلما لاحت في الافق بادرة انفراج وتقارب وتفاهم بين البلدين على اسس صلبة ومتينة من الاحترام المتبادل والتعاون في اطار المؤسسات ووفقا لمتطلبات سيادة واستقلال كلا الدولتين. والشواهد التاريخية والسياسية على تكرار ضياع الفرص كثيرة لا مجال للغوص فيها الان، فما حصل قضائيا في سوريا بالامس هو دليل اضافي لمن لم يقتنع بعد ولمن لم يتعظ من التجارب السابقة على ان الجانب السوري لا يزال بعيدا كل البعد عن منطق الاقرار بحياديته حيال الصراع اللبناني الداخلي ودليل اضافي على مكامن العرقلة والتدخل السوريين في الشأن اللبناني. بالامس كان تدخلا عسكريا وسياسيا مكشوفا، اما اليوم فالتدخل تحت الف وجه ووجه ومنه … الوجه القضائي …

فمذكرات التوقيف الصادرة بالامس هي حقيقة مذكرات توقيف تطبيع العلاقات… مذكرات توقيف مسار ثنائي رسمي… مذكرات توقيف اي محاولة لجعل الجانب السوري حقيقة وليس كلاميا… على مسافة متساوية من جميع اللبنانيين…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل