لم يكن متوقعا، قبل زيارة الرئيس الايراني للبنان، اي تطور دراماتيكي في الازمة. وقيل ان "حزب الله" سيكتفي بابقاء وتيرة التصعيد عالية، لكن من دون افتعال اي توتير، لتمرير الزيارة بلا تجاذبات والنأي بها عن مجرى الحدث الداخلي. وها هي مذكرات التوقيف السورية لمصلحة جميل السيد تسمم الاجواء ليعرف مَن لم يعرف بعد ما المطلوب ومن يحرك فعلا خيوط هذه الازمة، حتى من دون الاستعانة بصديق.
عدا ان هذا ليس تقاضيا سليما بالمفهوم المتعارف عليه وانها مجرد خدعة تتنكر بالقضاء، فان التسييس الفظ والمتعمد بدا مكشوفا الى حد انه يشذ على الاحتراف السوري المشهور. هذا ليس تظلما امام قضاء، هذا ظلم لهذا القضاء وبرهان على استخدامه، كيفما اتفق، في تصفية حسابات سياسية. فدمشق لم تقل بعد كل ما عندها، بل هي لا تزال بدايات رؤيتها للبنان المستعاد في كنفها قطعة قطعة، وما هؤلاء "المطلوبون" قضائيا سوى جزء اولي من لائحة الشروط للانتهاء من ارث الاعوام الخمسة الماضية.
اعلن عن "مذكرات التوقيف" في اليوم التالي لزيارة الرئيس بشار الاسد لايران، لكنها كانت جاهزة قبل ذلك. صحيح ان احدا لا يعتقد انه سيكون لها اي مفعول "قضائي" او ان الانتربول سيعتد بها، الا انها ستفيد كوسيلة للتشهير والتهاتر الداخليين. ولا شك ان التوقيت يعني ما يعنيه بالنسبة الى "التفاهمات" السورية – الايرانية، الا انه موظف للوطء على مسار قضية شهود الزور في مجلس الوزراء، لدفعه بالطريقة القضائية نفسها. والهدف هو ازاحة سياسيين ومعاقبتهم طالما انهم بقوا احياء بالصدفة، وهو ايضا خلع قضاة وضباط لم يعينوا بعناية نظام الوصاية، اما الصحافيون فالامر ليس جديدا عليهم ولا على الذي يدعي مقاضاتهم.
كان العنوان، بعد محادثات طهران، يغلّب "التهدئة" وتجنب الفتنة، ولم يصمد التضليل سوى ساعات حتى انكشف. ويبدو ان "التهدئة"، سواء كانت بالتفاهم مع السعودية، او مع ايران، تعني الشيء نفسه في قاموس دمشق، اي مواصلة التصعيد، بدليل ان البلد يُعامل على انه مستفرد ومعزول، مثل رهينة يتنازعها الخاطفون، وكأن احدا لا يريد ان يصدق ان ثمة انقلابا سياسيا – امنيا يُطبخ، ولا يبالي اصحابه بالعواقب، كل ما يهمهم ان هناك رؤوسا يجب ان تسقط مقابل القرار الظني المفترض.
بعد زيارة محمود احمدي نجاد، توقعوا كل شيء، لا سيما الاسوأ، فالمرحلة الثالثة من الحملة بدأت لتوها لتستنفد الضغوط ما قبل الاخيرة على رئيس الحكومة، باعتبار انه اصبح عند "حزب الله"، وكل من يدير الازمة معه وعبره، الرمز المجسد للمحكمة الدولية والقرار الظني وتبعاتهما. يحتاجونه لاعطاء مشروعية لاي تنازل عن المحكمة او تنصل منها. واذ كرر انه لن يساوم على المحكمة، فان الضغوط المقبلة تريد امتحان صلابة التزامه وصلابة الدعم الذي يعتمد عليه. خسر امكان تمويل المحكمة لبنانيا، والآن وصلته الاشارة الثقيلة بان عددا ممن يعتمد عليهم اصبحوا "مطلوبين" سورياً، في حين سمح لضابط سابق بأن يتعرض له وان يبقى فوق المساءلة.
للأسف، قد تكون هذه مجرد مقدمات لما سيكون. اذ يجب ان نفهم ان "حزب الله" ينذر اللبنانيين منذ اربعة اشهر بانه تصرف وسيتصرف وفقا لـ"حكمة" جورج دبليو بوش "اما معنا واما ضدنا"، وكما قيل ان هذه "المحكمة" كانت تعبيرا عن "غطرسة القوة"، فان خطابات التهويل باتت تعبر عن "غطرسة السلاح". ولا ننسى ان الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله هو من اختار ان يفتح الجرح، او "يفقأ الدمل" ليبدأ المعركة على الاتهام قبل حصوله، لانه يعلم انه حاصل، وهو جازف بجعل الاتهام المفترض متداولا فيؤيده من يؤيد ويعارضه من يعارض، ليس بهدف الحصول على براءة او ادانة من الرأي العام، بل لدفع الاتهام الى منزلة بين الشك واليقين، وبالتالي تحويله الى خلاف سياسي داخلي فمعركة سياسية ميزان القوى العسكرية.
هذا ليس تكرارا لسيناريو 7 ايار وانما استكمال له، مع حجة رفع المظلومية هذه المرة. في ازمة 2006 كانت هناك خطط ورغبات وتحريض على اقتحام السرايا والتنكيل بمن فيها، طردا او احتجازا او ما الى ذلك. كانت الرئاسة الاولى مشلولة ومعطلة، وكانت امكانات التسوية السياسية متوافرة لكن الحوار مع رئيس الحكومة كان ممنوعا، بل كان المطلوب رحيله. ثم حسمت الازمة عسكريا عندما مسّت حكومة فؤاد السنيورة بـ"سلاح الاتصالات" العائد للمقاومة. واستوجبت التسوية السياسية بعدئذ الذهاب الى الدوحة لانجاز اتفاق كان يبدو شكلا انه اقرب الى هدنة منه الى صيغة مستقرة، فالمعارضة ظلت معارضة من داخل الحكومة، وكأن الفريقين كانا ينتظران الازمة الراهنة التي ستدور رحاها على قاعدة انتقال الاكثرية البرلمانية من جهة الى جهة.
لكن حسابات الاكثرية والاقلية لا اهمية لها عندما يكون اللجوء الى السلاح هو الحَكَم. فالازمة لها اسم واحد هو المحكمة الدولية، سواء كانت في 2010 او في 2006، وهي بدأت عمليات قبل حرب تموز، ولا علاقة لها بهذه الحرب، بل ببداية انكشاف الاتهام لعناصر من "حزب الله". لذلك يستعد الحزب لمواجهة الاتهام بما يشبه معركة وجود، ليبقى هو رغم الاتهام ويرحل من يعتبر انه تسبب باتهامه بدل ان يقابل جرائم الاغتيال بالصمت والرضوخ. فكل من يتبنى اتهام حزب الله سيصبح – على الاقل – مواطنا غير مرغوب فيه.