أياً يكن التقويم السوري "البارد" لحسابات الربح في إصدار مذكرات التوقيف السورية الـ33 كفتح لمسلك خلافي وصدامي جديد في الازمة اللبنانية وتعقيدات العلاقة اللبنانية – السورية، يستحيل التصور ان دمشق لم تكن تحتسب مسبقا ان هذا الاقتحام الصدامي سيشعل تلقائيا المشاعر المناهضة لها في لبنان بل سيعيد اذكاء العداء حيالها. لذا يبدو من السذاجة بمكان الاغراق في الجوانب القانونية والقضائية وحتى السياسية نفسها في التعامل مع هذه الخطوة كعرض قوة مباغت او كاطلالة نفوذ متباهية بعودة قديم الى قدمه، حتى لو لم يجد حلفاء سوريا اي حرج في اطلاق صيحات النشوة والتهليل والشماتة بالخصم المصدوم على أمل الاجهاز عليه بالضربة القاضية او بالتراكم الثقيل للمكاسب الانقلابية.
فكل هذه الجوانب والعراضات والتفاعلات مرشحة لأن تتحول تفاصيل عرضية وصغيرة، وإن مهمة في دلالاتها، حين ينكشف الواقع اللبناني على تزاحم وتنافس سوري – ايراني غير مسبوقين ولو من ضمن الحلف الاستراتيجي غير القابل للاهتزاز. في كل ظواهر ازمة المحكمة في لبنان وعبره ومن ضمنها الانهيار المحقق للرعاية السورية – السعودية، يتضح من الخطوة السورية الاخيرة ان المعايير التي اعتمدت واتبعت في فتح "الصفحة الجديدة" بين سوريا ولبنان لم تعد ملائمة وطبيعة الواقع الذي تستشعر معه دمشق انها تقترب مع شريكها الايراني المضارب من لحظة تفوق حاسمة يراد للبنان ان يكون احد مسارحها الاساسية في اطلاق رسائل النفوذ المدوية. وليس قليلا والحال هذه ان تبرز معالم التنافس السوري – الايراني في لبنان مع الاعداد لزيارة مدوية للرئيس الايراني محمود احمدي نجاد في عز تصاعد التوترات والاحتقانات اللبنانية – اللبنانية، مقترنة بتصاعد مماثل على سائر جبهات الملفات الاقليمية التي من شأنها احياء حروب المحاور بقوة شديدة هذه المرة بازاء التقدم الواضح الذي يسجله "المحور الممانع" والذي يعد نفسه بمكسب ضخم في هذه اللحظة الاقليمية والدولية على الاقل.
لذلك يبدو من الخطأ ادراج كل التفاصيل المتعلقة بمعركة اسقاط المحكمة الدولية لبنانياً في خانة الرسائل الى الفريق اللبناني المعني بالقتال السياسي والديبلوماسي والشرعي والمعنوي والمبدئي دفاعاً عن هذه المحكمة والعدالة الدولية حتى الرمق الاخير، لأن لا خيار امامه في هذه المعركة سوى الاستسلام او مقاومة الخضوع ولو نجح الهجوم في اسقاط الالتزام اللبناني للمحكمة قسرا وبالقوة القاهرة. ففي كلا الحالين لم يضع الفريق المدافع قواعد المعركة وقوانينها، بل كان الفريق المتلقي. ومع ذلك يمكن هذا الفريق ان يضحي في عز تعرضه للحصار الهجومي، بموقع "المتفرج" بعد وقت قصير على معادلة ولا اغرب، هي معادلة اختناق لبنان "بفائض النفوذين" السوري والايراني التي تلوح معالمها بقوة نافرة عند مجموعة عوامل متسارعة ليس اقلها تعرض الفريق نفسه لفائض هجمات غير محسوبة لا يستدعي الواقع الموضوعي لميزان القوى تعرضه لها. فاذا كان هذا الميزان يجنح لمصلحة سوريا وحلفائها جارفا لمصلحته معظم المواقع الوسطية في لبنان والعمل بدأب على تغيير الغالبية فيه لصوغ واقع جديد يعلّي عنوان الحاق لبنان نهائيا بالمحور الممانع، فإن الخلاصة البديهية "للائحة الـ33" لا تخرج في بعدها المكتوم عن اشتعال مزايدة سورية – ايرانية لا تجد في مواجهتها سوى الفريق المحتضن للمحكمة وتسعير معركة المحكمة املا في "حسم" موعود وشيك. والمشكلة ان لبنان الضيق الصغير والمأزوم لم يعد يتسع لفائض العمالقة !