كنا نربأ بسورية أن يذهب القضاء فيها الى درجة لا يدرك المخالفات القانونية، إضافة الى الإساءة الى العلاقات بين البلدين الشقيقين سورية ولبنان.
ولا نعتقد أن مهمة القضاء في بلد توجيه رسائل سياسية، فكيف سمح القضاء السوري لنفسه إصدار مذكرات توقيف، يغلب عليها الطابع السياسي بامتياز، هذا السؤال نطرحه حرصاً منا على العلاقات مع سورية، خصوصاً أن هذه المذكرات ليس لها أي سند قانوني على الاطلاق، إضافة الى انها تستهدف شخصيات بارزة ذات حصانة.
ديتليف ميليس، وهو من أبرز القضاة الالمان، تم تكليفه من قبل مجلس الامن الدولي، وهو أعلى مرجعية دولية، بترؤس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقد قام بمهمته ثم استقال، وكلف بمهمات قضائية بارزة في بلده، ولا ندري بأي معيار زان القضاء السوري حتى يصدر مذكرة توقيف بحقه، وكيف يمكن لهذا القضاء أن يوقف شخصية قضائية دولية مثل ديتليف ميليس.
أما النائب مروان حماده فهو يملك حصانة نيابية، ولا شيء أبداً يثبت ضلوعه في صناعة ما يسمى شهود الزور.
أما اللواء أشرف ريفي، المدير العام للأمن الداخلي في لبنان، فهو من أبرز القيادات الامنية، وله فضل كبير في ملاحقة واعتقال الشبكات التجسسية الاسرائيلية، إضافة الى العقيد وسام الحسن، الذي حقق إنجازاً كبيراً في اعتقال عملاء اسرائيل، ومتابعة القضايا الامنية البارزة، ومعالجتها بما يحفظ استقرار وأمن البلد، وهو على علاقة جيدة بالقيادة السورية.
… مدعي عام التمييز القاضي سعيد ميرزا من أبرز وأنجح القضاة اللبنانيين، ويتميز بالشفافية والصدقية، ولا ندري كيف لقاضي التحقيق الاول في سورية أن يصدر مذكرة بتوقيفه، وهو زميله، وكان من الاجدر التنبه الى أن ميرزا يتمتع بحصانة قضائية كبيرة، وهذا ما ينطبق على القاضيين صقر صقر والياس عيد، لذا، كان الاولى بقاضي التحقيق الاول في سورية التنبه الى هذا الامر وعدم الوقوع في مثل هذا المطب.
… الوزير حسن السبع أيضاً، عندما كان وزيراً للداخلية في لبنان، قام بالمهمات الموكولة إليه بصدق وأمانة، ويشهد له القاصي والداني.
وما يسري على كل هؤلاء يسري على الإعلاميين، الذين قاموا بواجباتهم بنشر معلوماتهم، وإبداء رأيهم الحر، فكيف يمكن أن نقتنع أن هؤلاء مدانون؟!
في مطلق الاحوال، فإن الحدث وقع على الارض اللبنانية، والقضاء اللبناني وحده يملك الاختصاص والحق في إصدار أحكام قضائية، مع التذكير أن مذكرات التوقيف السورية صدرت في وقت كان وزير العدل اللبناني يكتب وبحرفية كاملة وجهة النظر القانونية في ما يسمى شهود الزور.
لم نكن نتوقع أن يتم الإساءة الى العلاقات اللبنانية السورية، والتي كانت تتجه بجهود الرئيس سعد الحريري، لتصبح علاقات مميزة ونموذجية على الصعد كافة.
وإذا كان في الامر مجرد رسائل سياسية فمن غير المقنع أن يصدر القضاء السوري مثل هذه المذكرات بناء لدعوى قام بها ضابط متقاعد لم يبرأ تماماً، وإطلاق سراحه لم يكن إلا تعبيراً عن شفافية المحكمة الدولية وعدم تسييسها، بما يعني أنه ليس مداناً ولا بريئاً في الوقت عينه.
إن التراجع عن مذكرات التوقيف هو ضرورة لإعادة العلاقات السورية – اللبنانية الى مسارها الطبيعي، خصوصاً أن هذه المذكرات لن تجدي نفعاً، ولن يأخذ بها الانتربول الدولي، لأنها من دون قواعد إسناد قانونية، بل هي سياسية بامتياز.