جاء موقف رئيس الجمهورية ميشال سليمان من قرارات القضاء السوري التي طاولت مسؤولين وسياسيين واعلاميين وقضاة وأمنيين لبنانيين، أقل بكثير من دلالة على اهتمام الرئيس بمثل وحقيقة ما قصدته سورية من وراء خطوتها. والى أين يمكن ان تصل على رغم اقتصار الهدف موقتا على الزكزكة السياسية (…).
والسؤال عينه لا بد وان يوجه الى رئيس الحكومة سعد الحريري لأن من وردت اسماؤهم في القرارات، القضائية السورية في مقدم المحسوبين عليه، خصوصاً مدعي عام التمييز القاضي سعيد ميرزا والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي ومدير شعبة المعلومات في قوى الأمن العقيد وسام الحسن، وفي المستوى عينه النائب مروان حماده والسفير جوني عبدو والصحافي فارس خشان، من دون استثناء آخرين وجدوا أنفسهم في الصف الحريري من دون سابق تصور وتصميم!
المهم في نظر بعض اللبنانيين المقربين من سعد الحريري ومن يتبنى نظرته الى الأمور العامة، ان التصرف السوري جاء بمستوى طعن زعيم تيار المستقبل في خاصرته، وإفهاماً مباشراً له ولغيره ان موضوع المحكمة الدولية أصبح متلازماً مع موضوع "المحكمة السورية"، أي ان الحريري مطالب بفك ارتباط لبنان بمحكمة لاهاي مهما قيل عن وجود استحالة. وثمة من يجزم في هذا السياق بأن أهمية محكمة دمشق أكثر تأثيراً من المحكمة الدولية كون مؤثراتها مباشرة على الجسم اللبناني الداخلي، فضلاً عن ان بوسع دمشق إعطاء انطباع مباشر على السيرة السياسية وهذا غير وارد الا في وجهه السلبي من جانب ما قد يصدر عن لاهاي، بدليل حرية الحركة التي يتمتع بها حزب الله، حتى وان كانت ستصل به الى ترجمة الانقلاب على الدولة من دون انتظار أي رد فعل من جانب أي مرجع في الدولة بمن فيهم مرجعية الرئاسة الأولى ورئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء مجتمعاً، حيث للحزب ولحلفائه القدرة على توجيه القرار (…) أي قرار يصدر عنه؟!
أما قوى الأمن ومديرها فلا يعدو دورهما المهمة الوظيفية أسوة بدور مدعي عام التمييز الذي بوسعه تسطير أوامر مهمة من غير ان يضمن من يترجمها له عملاً أمنياً – قضائياً، الأمر الذي يضع الجميع في خانة الافلاس طالما ان من يفترض بهم الدفاع عن الدولة ومؤسساتها غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم وعلى القيام بواجباتهم، او ان هؤلاء لا يريدون القيام بالمطلوب منهم، بدليل ما حصل من لحظة صدور القرارات القضائية السورية وبدليل ما ورد من معلومات في أعقاب جلسة مجلس الوزراء.
والملاحظ في هذا الصدد ان مقربين من دمشق قالوا بصريح العبارة انه يكفي لصرف النظر عما صدر عن المحكمة السورية تبني فكرة حزب الله الداعية الى احتواء موضوع شهود الزور الذين قد تصفح دمشق عن بعضهم، لكنها في النهاية لن تنسى بل لا يمكن لها ان تتجاهل دور نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام نظراً لما الحقه من أذى بالإدارة السورية السياسية والعسكرية والقضائية والاستراتيجية في وقت واحد (…) وبالسمعة السورية ككل!
وفي معلومات المقربين المشار إليهم ان بعض من تهتم دمشق بوضع اليد عليهم هم من سبق القول عنهم أنهم من خلصاء جماعة سعد الحريري ممن يصعب على أحد الدفاع عما الحقوه من أذى بسورية وسلطاتها. وفي المقابل فإن معظم هؤلاء لايزالون يعيشون في كنف الحريري معنوياً ومادياً، وهذا ما يغضب دمشق ويجعلها تصر على جعلهم يدفعون ثمن ما ارتكبوه بحقها!
والذين لاحظوا أبعاد بعض خصوم سورية عن دائرة الضوء القضائية، فيعيدون ذلك الى رغبة دمشق بعدم تكبير أحجامهم، بما في ذلك ترك هؤلاء في عهدة حلفاء سورية الذين لن يتركوا ستراً مغطى عند الكتائب والقوات بحسب ما يقوم به حليف سورية وحزب الله الجنرال ميشال عون، حتى وإن كان المقصود في مطلق الأحوال ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، أي ان الرئيس الحريري سيجد نفسه في النتيجة أمام معادلة سياسية مختلفة ليس فيها أي عنصر ممن شارك في "ثورة 14 آذار" وفي كل ما حصل بعدها من تصرفات شوهت السمعة السورية في الصميم!
يقول مسؤول في حزب الله ان نوسع رئيس الحكومة زعيم الأكثرية لعب ورقة المحكمة الدولية قبل ان يتفاقم خلافه مع السوريين، ويشدد بالتالي على ان الدعم الأميركي والأوروبي للحكومة لا يعني شيئاً طالما بقي تصرف مجلس الوزراء خاضعاً لمعادلات تمنع فرط عقد حكومة الوفاق، وهكذا بالنسبة الى ما يحول دون التأثير المباشر على حزب الله وحلفائه داخل الحكومة وخارجها، وهناك من يجزم بأن ما سيصدر عن الأمين العام لحزب الله يوم السبت المقبل قد يزيد من معدل الحرج في قصر بعبدا وفي السراي الحكومي، ربما لأن المقصود إفهام من لم يفهم بعد ان سورية جادة في هز تفاهمها مع الرئيس الحريري ومع غيره في حال لم تتلق أجوبة بحجم ما قصدته من وراء قراراتها القضائية (…).
وفي المقابل، يقول نائب أكثري انه فوجىء بــ"الجواب التجاهلي" النسبي من قبل رئيس الجمهورية ومن جانب رئيس مجلس الوزراء. كذلك فإن النائب المشار اليه يقول أيضاً انه كان يفضل تقديم من طاولتهم القرارات السورية استقالات جماعية "احتراماً للدستور الذي يرعى أوضاعهم" بما في ذلك احتراماً لقناعاتهم بالنسبة الى كل ما قاموا به في الوظيفة وخارجها، وهيهات ان يترجم هؤلاء ومن هو مسؤول عنهم امتعاضهم "استقالة فورية تحفظ ماء الوجه وغيره" قبل ان تتطور الأمور الى ما هو أسوأ؟1