لن يُوفَّر شيء في المعركة المفتوحة ضد المحكمة والقرار الاتهامي. ومن فوقهما ضد إرث السنوات الخمس الماضية الذي تراكم وأنتج إحياء لفكرة إيمانية – بديهية هي وضع المصلحة الوطنية العليا فوق أي اعتبار.. أو لبنان أولاً..
وليست الفكرة المذكورة استثناء إلا عندنا. فهي في الأساس خارج نطاق البحث في أي دولة نامية أو متقدمة او في منزلة بين المنزلتين. عدا عن كونها محمية بالنص الدستوري وكل مدوّنات القوانين المسيّرة والناظمة والحاكمة لعلاقة الافراد والجماعات بالسلطة المركزية. والخروج عليها لا يحمل إلا توصيفاً واحداً محدّداً يندرج تحت مفردتي التجسس او الخيانة، او ما شابه ذلك من توصيفات لا تقل علو كعب عن ذينك الفعلين.
والحال، ان كل دولة مكتملة الهامة والمواصفات والحدود والكرامات، والتي لا يزال سياجها قائماً حول حيّزها الجغرافي ولم يمسح بالأرض، لا بالطول ولا بالعرض، كما التي لا يزال بنيانها الامني والدستوري عصيا على التخريب، كل تلك الدول العزيزة وأشباهها صغُرت أم كبُرت، تنظر الى الخارج عن السياق الوطني الكياني اللساني الإجتماعي، باعتباره شخصاً يُركن تحت خانة أبعد مدى من تلك المواد العقابية المنصوص عنها في القانون.
فالهوية الوطنية (الجنسية) تلبس الكائن الحي في زماننا المعاصر، كما يلبس اسمه منذ لحظة خروجه الى الدنيا من بطن أمه. وهذه لا تعني شوفينية موبوءة،. كما لا علاقة لها، على الجانب الآخر، بالنظر الى العولمة على أنها نسق خارق للحدود والكيانات، والانتماء اليها يلغي جواز السفر. هذه غير تلك، وبالتالي تركن بعض الحالات التي تؤثر مصالح الخارج على الداخل تحت خانة "طُبيّة" حُكماً.. أو في حالتنا القائمة منذ اربعة عقود تقريباً تُوضع كنتيجة منطقية لفكاك وترهّل المشاعر الوطنية الجامعة من جهة، وانتعاش تلك الخاصة بالطائفة او المذهب او الحزب او الدكان السياسي من جهة ثانية.
غير ان الاسباب التخفيفية المتأتية عن الحروب الاهلية لا تسري بعد انتهاء تلك الحروب. ولا تمشي مع مسار إعادة بناء الكيان ومؤسساته ونظمه وعلاقة الناس والجماعات فيه ببعضها البعض.. وبينها في الاجمال وبين السلطة الواحدة والجامعة. ومن البديهي تبعاً لهذه الفذلكة ان تتدرج المشاعر الوطنية صعوداً بعد ان دحرجها الاحتراب نزولاً. ومن الطبيعي أكثر ان يضع صاحب السلطة في اي موقع كان المصلحة الوطنية العامة الشاملة التامة الناجزة قبل مصالح الآخرين أياً كانوا.
ثم من البديهي والطبيعي والتلقائي، ان تتماهى جماعة سياسية، في لحظة "مناسبة"، رغم مأساوية اللحظة وسوادها وكارثيتها، مع ذلك النهج. مفترضة ان دمل التراب على الحرب ومشتقاتها وأسبابها يسمح ببناء منصة واحدة يأتي إليها المتحاربون بالأمس من اجل تغليب المشتركات على ما عداها. وفي الظن ان الدولة هي الاطار البديل عن كل مشروع دويلة، وان اعادة بنائها تفترض حُكماً وضعها مصلحتها ومصلحة ناسها، من دون خجل او وجل قبل مصالح الخارج، قريباً كان ام بعيداً.
.. هذه الفكرة النافية لاربعة عقود من الالتباس الدموي، هي المستهدفة اليوم. كما استهدفت بالأمس. كما عشية 14 شباط 2005 وعشية 14 آذار، وعشية القرار الاتهامي وعشية المحكمة الدولية: ممنوع لبنان أولاً. بل ممنوع لبنان حتى إشعار آخر!؟