لا تخرج المذكرات السورية عن سياق الحرب المفتوحة على المحكمة والقرار الاتهامي وقبلهما التحقيق الدولي منذ انطلاقة هذه السيرة الدولية غداة جريمة 14 شباط 2005.
ولا تخرج راهناً عن إطار محلي رُسم ووُزِعَ وعُمّمَ على سائر خلق الله من اللبنانيين منذ فترة. وفيه كل مقوّمات إعادة الزمن إلى الوراء. وتحطيم كل بناء مؤسساتي دستوري لبناني قائم، والتبشير بوضوح، من دون تورية ولا اشتباه ولا تمويه بأن الدنيا ستزيح عن محورها إذا صدر القرار الاتهامي متضمناً ما يُحكى عنه.
بسيط وبريء وعبّيط، من افترض لحظة واحدة أن دمشق كانت في وارد العودة عن حربها المفتوحة ضد المحكمة. أو من صدّق في الأساس أن حلفاءها في لبنان و"حزب الله" تحديداً، سلّموا فعلاً بالمحكمة، وآمنوا بالنصوص الخاصة بـ"الإجماع" عليها التي زيّنت جلسات الحوار الوطني بدءاً من العام 2006 حتى الأمس القريب. أو بتلك التي أوردتها البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة منذ ما بعد انتخابات العام 2005.
لم يكن الأمر إلا شراء للوقت، وانتظاراً لما افترض هؤلاء أنه لن يصل إلى شيء (التحقيق) ومراهنة على أمور كثيرة، بعضها ميداني عملي، وبعضها سياسي، ستمنع زائر العدالة من الوصول إلى منصته.
لا أوهام في هذا المقام. لكن الدنيا كانت منذ عشرة شهور قد أخذت تنحو باتجاه آخر مع سوريا. وكان رئيس حكومتنا سعد الحريري ولا يزال، أول المؤمنين بأن العلاقة مع الدولة الشقيقة محكومة بالتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة الواضحة والبيّنة، والتي لا يفيد الخلل فيها إلا أعداء البلدين والشعبين.. وبالتالي راح في تلك الرحلة (المستمرة) بوضوح وشفافية وجرأة. سالكاً خطاً واضحاً، لم يبلف فيه أحداً، ولم يعتمد نمطاً مزدوجاً، ظاهره شيء وباطنه شيء آخر. والأهم من ذلك، لم يتردد في تقديم بيانه للناس، كما لم يتردد في تأكيد ثوابته: العلاقة الصحيحة مع دمشق لا تلغي الالتزامات والارتباطات والتحالفات والوشائج والأواصر القائمة مع حلفاء الداخل. كما لا تلغي الارتباطات القائمة على صعيد المحكمة الدولية.
وفي الأساس، فصل سعد الحريري وتياره معه (منذ حكومة فؤاد السنيورة الأولى) بين مسار المحكمة ومسار العلاقة مع دمشق. وكان "الطموح" على الدوام بناء سيبة مشتركة مع السوريين أساسها رفض العودة إلى ما خرّب العلاقات، ورفض النظر إلى اللبنانيين باعتبارهم موزّعين حُكماً بين حلفاء وأعداء. ورفض الممارسات الخاطئة التي حكى عنها الرئيس بشار الأسد بنفسه في العام 2005.
وأصل الفكرة نبيل وكريم. بدلاً من علاقات بالمفرّق فلتؤخذ الأمور بالجملة. وفي المنطق الحسابي السياسي البسيط لا يمكن (خارج قضية المحكمة) العثور على نص خلافي يُعتدّ به، بين بيروت ودمشق. لا بشأن مقاربة النزاع العربي الإسرائيلي ولا بشأن التسوية العتيدة، ولا بشأن العلاقات الخارجية، ولا بشأن تركيبة النظام اللبناني، ولا بشأن العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية والسياحية.. والأمنية، ولا حتى بشأن سلاح المقاومة، إلا إذا أراد البعض أن يصدّق التدجيلة المعهودة عن انخراط سعد الحريري وقوى لبنانية في "حرب" ضد ذلك السلاح أو في التآمر عليه.. الخلاف كان ولا يزال على جغرافيته وأهدافه المستجدة. وعندما كانت المقاومة في مكانها جنوباً لم يصدح صوت واحد ضدها إلا صوت حليفه المستجد جنرال الرابية (ما غيرو).
لا ينفع الافتراء في مقام الجدّ ولا يركب مع النيّات الطيّبات. علاقات صحيحة ومميّزة يجب أن لا تعني اتهام أحد طرفيها بما لا يخرط في عقل سوي. ويجب أن لا تعني العودة إلى إملاء الشروط والمطالب على طريقة الآمر والمأمور. ولا تعني قبل ذلك العودة إلى تقسيم اللبنانيين بين حليف وعدو..
خطت دمشق خطوات كبيرة وأساسية باتجاه التلاقي مع مطالب لبنانية مزمنة، وفي مقدّمها العلاقات الديبلوماسية، وبدء الانتقال إلى العمل المؤسساتي في كل نواحيه، وفي تأكيد احترام الكادر القيادي الدستوري اللبناني وتظهير كل مظاهر احترام ذلك الكادر ديبلوماسياً وشخصياً.. ولبى سعد الحريري النداء وقطع أكثر من نصف الطريق المطلوب. بل فعل في سياق ذلك ما هو فوق طاقته، ودمشق أول من يعرف ذلك، وأكثر من يعرف، أن دعوته إلى "مواجهة مشتركة" لتداعيات القرار الاتهامي للمحكمة إنما خرجت من صفاء نيّة، ومن رغبة فعلية وحقيقية وأكيدة في تلمّس ما يوحّد وليس ما يُقسّم، وما يجمع وليس ما يفتّت.
وتعرف دمشق أكثر، أن سعد الحريري، حتى لو أراد، لا يستطيع شيئاً (لا هو ولا دول مؤثرة وفاعلة) في شأن المحكمة والقرار الاتهامي، ومع ذلك صدحت أبواق كثيرة في الآونة الأخيرة، كلها محسوبة على سوريا أو تدّعي حلفاً معها، بما لا يليق بأحد… وخرجت (أو ستخرج) مذكرات مُلتبسة في شكلها ومضمونها تستهدف، قبل الأشخاص المقصودين، كل المسار الذي اعتمده رئيس حكومتنا ولا يزال مُصرّاً عليه رغم التجنّي والمظالم!
لمصلحة من، حصل ويحصل الذي يحصل؟ ومن الذي يتآمر على سوريا ولبنان معاً؟!