متحدّياً العقوبات ومقترباً من حدود إسرائيل بجهاتها الثلاث
زيارة نجاد للبنان فصل من فصول الصراع في المنطقة
هل ما بعد زيارة الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد للبنان غير ما قبلها؟ هذا هو السؤال الذي يثير هواجس الناس وخوفهم من ان يكون ما قبل الزيارة هدنة مفتوحة على مواجهة سياسية حادة قد تتحول عسكرية ليس بين طرفين لبنانيين لكل منهما خطه السياسي المتعارض مع الآخر فحسب، بل بين اطراف في المنطقة ويكون لهذه المواجهة طابع مذهبي خطير تعود معها ارض لبنان ساحة مفتوحة لحروب الآخرين اذا نجح القادة في دول المنطقة مرة اخرى في إبعادها عن ارضهم.
إن حرب عام 1975 كانت في الواقع حرب الآخرين على ارض لبنان، إن لم تكن حرباً خدمة لمصالح الآخرين، إلا ان اي حرب جديدة لن تكون هذه المرة على ارض لبنان وحدها بل على كل اراضي دول المنطقة لأنها ليست حربا كالماضي كان هدفها وقف الاقتتال بين اللبنانيين واخراج المسلحين الفلسطينيين من لبنان الى تونس ليعود الهدوء الى الجبهة الشمالية مع اسرائيل وهو ما حصل، بل هي حرب بين مشروعين في المنطقة: مشروع المحور الايراني ومن معه ومشروع المحور المناهض له، وان فوز احد المشروعين قد يغير وجه المنطقة وخط سيرها في هذا الاتجاه او ذاك، فإما تسود الانظمة المعتدلة فيها او تسود الانظمة المتشددة وتحدد الولايات المتحدة الاميركية ومعها دول الغرب موقفها من المنتصر في ضوء سياستها المتعلقة بأمن اسرائيل والسلام الشامل بحيث تكون مع الطرف القادر على تحقيق ذلك حتى لو كان الطرف المتشدد والمتطرف.
وتستبعد اوساط مراقبة ان يخرج الصراع بين الاطراف المتواجهين عن اطاره السياسي الى اطاره العسكري لئلا تكون اسرائيل المستفيدة من ذلك، خصوصا اذا ما تواجهت الجيوش العربية للدفاع عن القضية التي تؤمن بها وعن خطها السياسي ومشروعها. وهي تنتظر الرئيس الايراني التي سيعلنها في خطبه واحاديثه وتصريحاته سواء في موائد التكريم الرسمية او في المهرجانات الشعبية التي يجري الاعداد لها في الجنوب ولكن بعيدا من الحدود الملاصقة لحدود اسرائيل الجنوبية لبيروت. فإذا كانت خطبه واحاديثه وتصريحاته معتدلة مراعاة منه لدقة الوضع في لبنان والمنطقة ولتفويت فرصة على اسرائيل لتوتير الاجواء في الجنوب، فإن الزيارة تمر عندئذ بهدوء وسلام ولا يكون ما بعدها مختلفاً عما قبلها، وتستمر فترة الهدوء الى حين صدور القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه على ان يسبق صدوره مباشرة اجراءات لمحاكمة الشهود الزور تكون مدخلاً لتسوية قيل ان الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط يعملان لها وقد ينضم اليهما النائب سليمان فرنجيه، حتى اذا صدر القرار الظني وعرف مضمونه يكون لكل حادث حديث. وما حصل في جلسة مجلس الوزراء الاخيرة من جانب وزراء حركة "امل" يصب في هذا الاتجاه.
اما زيارة الرئيس الايراني، وإن تكن رسمية، فإن لها ابعاد سياسية وشعبية واقليمية تتجاوز حدود لبنان اذ انها تثبت ان ايران اصبحت على حدود اسرائيل في لبنان من خلال "حزب الله" وفي فلسطين من خلال حركة "حماس" وفي سوريا من خلال التحالف القائم معها. وهي زيارة تشكل استفزازاً للولايات المتحدة الاميركية خصوصا وللاتحاد الاوروبي عموماً وتحدياً للعقوبات المفروضة على ايران وكأن لا تأثير لها على المخطط الايراني في المنطقة على مسار برنامجها النووي، وليقول الرئيس الايراني وهو يقف عند ابواب حدود اسرائيل الشمالية مع لبنان: "نحن هنا".
واذا كانت لزيارة الرئيس الايراني مثل هذه الابعاد، فإنها تكون بداية المواجهة المكشوفة والصراع الحاد بين المحور الايراني ومن معه والمحور المناهض له محلياً وعربياً واقليمياً ودولياً، او يكون الفصل الاخير من هذه المواجهة، فإذا انتصر المحور الايراني فسوف يكون للمنطقة وجه، واذا لم ينتصر فسيكون لها وجه آخر.
اما اسرائيل فسوف تحدد موقفها من المنتصر في هذه المواجهة ايا يكن في ضوء مدى تمكن المنتصر من عقد سلام معها يجعلها تعيش مع دول المنطقة داخل حدود آمنة.
ثمة من يقول ان ايران اذا ما نجحت في مد نفوذها في المنطقة، فانها تصبح قادرة على تحقيق سلام شامل فيها يعطي لكل ذي حق حقه. وهي تعتقد انها حققت حتى الآن انتصاراً في العراق بتكليف نوري المالكي تشكيل حكومة شبيهة بحكومة لبنان تحت اسم حكومة "وحدة وطنية" بحيث تبقى القرارات في المواضيع المهمة خاضعة للتوافق او تبقى مجمدة، وهي تأمل في ان تحقق انتصاراً مماثلاً له في لبنان وذلك بترجيح كفة حلفائها السياسيين على الآخرين، إما من خلال حكومة معدلة برئاسة سعد الحريري او برئاسة سواه. وعندها يشكل المحور الايراني حلقة تضم، اضافة الى ايران، العراق ولبنان وسوريا وقريبا فلسطين اذا ما تحققت المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية في دمشق، وقد تنضم الى هذه الحلقة افغانستان بتسوية مع اميركا، وهو ما حصل في الماضي عندما اشتد الصراع بين الولايات المتحدة الاميركية ومصر عبد الناصر ومعها سوريا في وحدة كانت تحققت بين البلدين. وانتهى هذا الصراع بتسوية في لبنان بدأت بالاتفاق على انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيسا للجمهورية وتشكيل حكومة تنسق سياستها الخارجية والدفاعية مع مصر على ان تطلق يد الرئيس اللبناني في معالجة الشؤون الداخلية بدون عرقلة من جماعة الناصريين في لبنان. ثم كانت حرب تشرين التي اعقبها عقد اتفاق كمب ديفيد بين مصر واسرائيل اثر الزيارة الشهيرة للرئيس انور السادات للقدس.
لذلك ان ما ينقذ لبنان من حرب جديدة هو ان هذه الحرب لن تكون هذه المرة على ارض لبنان وحده بل تمتد الى المنطقة وتكون اسرائيل هي المستفيدة الاولى منها. والبديل من هذه الحرب مواجهة سياسية يكون فيها غالب ومغلوب، او تنتهي الى تسوية كما انتهى الصراع في الماضي بين الرئيس عبد الناصر ومن معه والولايات المتحدة الاميركية ومن معها.