"حزب الله" مطمئن إلى أن لا تدخل استعمارياً بعد القرار الظني.. الاستعماري!!
من "السلاح" الذي يحمي نفسه إلى "الفتنة" التي تحارب نفسها
من غرائب "نظرية المؤامرة" التي يتحصـّن وراءها هواة الصنف الإنقلابيّ في لبنان أنّها تجعل من القرار الظنيّ المنتظر للمحكمة الدولية قراراً إستعمارياً عدوانياً بإمتياز وتطمئن النفس بعد ذلك بأنّ ما من استعمار قادم ولا من عدوان جديد بعد هذا القرار، وإنّما فرصة سانحة للإنقضاض على من يفترض أنّهم أعوان المستعمر والمراهنين عليه.
هكذا يستحيل القرار الظنيّ المنتظر قراراً إستعمارياً بالنسبة إلى "حزب الله" وفتوى تبيح له في الوقت نفسه الفتك بأعوان المستعمر الذي يؤكّد الإعلام الحربيّ للحزب المذكور أنّهم لن تصلهم النجدة الإستعمارية لا حالَ صدور القرار الظنيّ ولا بعده.
لكن إذا صحّ هذا المنطق تكون المؤامرة على أعوان المستعمر المفترضين بالنسبة إلى "حزب الله"، أي على حركة التحرّر الوطنيّ اللبنانيّة بالنسبة إلى كل من يؤمن بحق الشعب اللبنانيّ في تقرير مصيره، أي على الحركة الإستقلالية المتمثّلة في "قوى 14 آذار". وفي المقابل يصير العمل الإنقلابيّ لـ"حزب الله" جزءاً عضوياً، لا بل جزءاً متقدّماً من المؤامرة الإستعمارية التي تطلّ برأسها من خلال القرار الظنّي.
فإذا أراد "حزب الله" الخروج من تهافت هذا المنطق على هذا النحو، لوجب عليه القول إنّ القرار الظنّي ولّما كان قراراً إستعمارياً صرفاًَ فإنّ تدخّلاً إستعمارياً سيليه مباشرة، وعندها يفترض أن يظهر "حزب الله" صفة المقاومة التي يصرّ عليها، فيوجّه سلاحه للقوّات الإستعمارية القادمة، وليس ضدّ من يفترض أنّهم أعوان المستعمر لا لشيء إلا لأنّ المستعمر غائب أو مجهول أو منعدم.
أمّا إذا قال "حزب الله" إنّ القرار الظنيّ إستعماريّ خبيث بمعنى أنّه لن يستتبع تدخّلاً أجنبياً بشكل آليّ، وإنّما فقط إذا ما استدعت ردّة الفعل عليه نشوب أوضاع دمويّة في لبنان بالشكل الذي يبرّر هكذا تدخّل، فيفترض حينها أن يكون "حزب الله" في طليعة المبادرين إلى القطع على هذا الخبث الإستعماريّ، فيتوجّه لـ"الإنسان الأبيض" بالقول إنّي أفهم لعبتك، وأفهم أنك تريد زجّي في مستنقع الفتنة، لكني لن أعطيك حجّة للتدخّل، ولن أنغمس في الفتنة.
لكن، مع الأسف، لا يبدي "حزب الله" أي إستعداد ولو للحظة واحدة للتفكير على هذا النحو. هو يريد اللعبة سهلة بالشكل التالي: القرار الظنّي إستعماريّ وصهيونيّ، لكن لا الإستعمار سيتدخّل بعده، ولا الصهيونية ستعتدي، وإنّما ستكون الفرصة متاحة لحسم الأوضاع في الداخل اللبنانيّ، على الطريقة الإيرانية.
وهذا إنّ دلّ على شيء فإمّا على أنّ "حزب الله" لا يأخذ الشبهة الإستعمارية للقرار الظنّي على محمل الجد، وإمّا أنّه لا يأخذ الإستعمار نفسه على محمل الجد. في الحالتين هو يظهر أن عداءه دفين ضد الداخل اللبنانيّ، وضد الحركة التحرّرية الإستقلالية اللبنانيّة، فهو لا يتكّلم عن الإستعمار والصهيونية إلا في معرض رفع درجة تخوين وتعنيف شركائه في الوطن، ووصفهم بأنّهم أعوان للإستعمار والصهيونية.
وهنا بيت القصيد. ماذا يريد "حزب الله" بالتحديد؟ إتّهام اللبنانيين الإستقلاليين بأنّهم "يراهنون" على الخارج، وعلى القرار الظنّي؟ أم مواجهة هؤلاء الإستقلاليين لأنّ القرار الظنّي سيولد ميتاً، ولن ينفعهم لا لجهة الحماية ولا لجهة إرساء العدالة؟ المدهش أنّ "حزب الله" يبرّر حملته بمعادلة لا منطقية تماماً: هو يريد أن يعاقب مؤسسات الدولة وأجهزتها وقوى 14 آذار لا لأنّهم يراهنون على قرار إستعماريّ، بل لأن القرار الإستعماريّ هذا سيصدر بالفعل، لكن لن يتبعه أي تدخّل إستعماريّ أبداً، على ذمّة "حزب الله" طبعاً، إلا إذا.. إلا إذا "بالغ" الحزب في إستخدام سلاحه في الداخل.
هكذا إذاً: الإستعمار سيصدر قراراً ظنّياً، ورقة مجرد ورقة، وأعوان الإستعمار، أي أكثرية الشعب اللبنانيّ بحسب انتخابات 2005 ثم 2009، و18 طائفة من أصل 19 سوف يعاقبون، لكن الإستعمار مع ذلك، و"حزب الله" يطمئن نفسه في هذا المجال، لن يتدخّل وسينظر إلى الشعب اللبناني المستباح كما نظر إلى أكراد حلبجة وإلى أهل رواندا ودارفور وسواهم.
منطق يقول: يريدون إيقاعي في الفتنة، وسأرد عليهم بفتنة ما بعدها فتنة! بعد أن كنا أمام تخريجة "السلاح لحماية السلاح" (على طريقة الفن للفن)، ها نحن أمام تخريجة أكثر خطورة: محاربة الفتنة بسلاح الفتنة.
كل الزجر والوعيد وكل هذا الذعر الذاعر يخفي ركاكة هكذا منطق، منطق يكشف مرة أخرى تخلّف "حزب الله" عن المبادئ الأوليّة لمقاومة الإستعمار فضلاً عن المبادئ الأوّلية لحقن الدماء في المجتمعات وتلافي الفتن بين الجماعات الأهلية.