يوماً بعد يوم، وبوتيرة موازية لتلك المواقف المضادة للمحكمة وعملها ومآلها ومصيرها وللقرار الاتهامي، تؤكد المراجع الدولية "المعنية" بأن هذه المسيرة آيلة حُكماً إلى خواتيمها المقررة، وأن كل ما يحصل في لبنان وحوله في هذا الشأن لن يؤثر في تلك المسيرة لا سلباً ولا إيجاباً.
ما يهمنا من الموضوع، وباختصار ومن دون تكبير كلام وأوهام وأحلام، هو الآتي: لماذا لا يريد من يستهدف المحكمة عندنا ان يسمع ما يقال دولياً رداً على حملته؟ ولماذا كل هذا الضخّ التوتيري الانفعالي الداخلي المنفلت والذاهب إلى خواتيم دموية(؟) طالما أن ذلك لن يؤثر في ذلك المسار؟ وإذا كانت أهداف المحكمة فتنوية مصبوبة بإتقان وإحكام، فكيف يركب المناخ المُعمّم هذه الأيام مع النيّة في تفشل تلك الأهداف؟ وهل يُعقل أن تكون الفتنة المطلوبة غربياً وإسرائيلياً في عرف الممانعين هي ذاتها عدة التهديد الأساسية عندهم؟ وكيف يمكن تسطيح العقول وكبت الألسن وتعطيل ملكات التفكير والمحاججة في دنيا مفتوحة على مصراعيها في وجه كل سؤال وجواب وفي وجه كل تفعيل صَغُر أم كَبُر؟
.. لم يكن كلام بان كي مون بالأمس إلا تتمة واضحة وفصيحة لكل المواقف التي صدرت عن الدول المقررة في مجلس الأمن في شأن المحكمة ومآلها.
وليس تفصيلاً بسيطاً بهذا المعنى أن تعكس كل تلك المواقف نَفَساً جماعياً لا جدال فيه ولا شكوك. يعني ليس تفصيلاً بسيطاً أن تكون موسكو في ذلك الموضع، وأن تؤكد من جديد التزامها التام بالمحكمة ووظيفتها وأهدافها المثلى. وليس بسيطاً بعد ذلك ادعاء عدم الفهم أو الاستيعاب او التطنيش! إلا إذا أُريد لنا أن نصدّق أن روسيا وتركيا (بالمناسبة) انخرطتا في تلك الحملة التآمرية ضد بنياننا الوطني الجامع خدمة لمشاريع من يُفترض أنهم أخصامهما وأخصام تاريخهما ومصالحهما في هذه المنطقة تحديداً!
لم تعطِ موسكو إلا الأذن الصمّاء للمواقف الغربية التي دعتها إلى وقف تعاونها النووي مع إيران، فلماذا لا تسحب موقفها ذاك على قضية المحكمة؟ بل لماذا تبدو أكثر إصراراً من بان كي مون والإدارتين الأميركية والفرنسية على التمسك بذلك المنبر الحقوقي الدولي، ولماذا تركيا تفعل مثلها؟ ولماذا بعد هذا بقليل، يُراد لنا أن نفترض أن "العالم كله" يتآمر علينا وعلى وحدتنا ومناعتنا الوطنية والطائفية والمذهبية الآخّاذة والنيّرة! وكأن هذه لا ينقصها إلا ذلك التآمر كي تبان على حقيقتها المفتوحة على الهواء مباشرة من العراق إلى اليمن إلى دول عربية أخرى وصولاً إلى باكستان والمناطق المحاذية لبحر قزوين!
يحق لمن يهوى القلق أن يستعير من ما يحصل مؤونة لا تنضب لإشباع قلقه، لكن ما يبدو واضحاً جلياً لمّاعاً مُشعّاً هو أن الإسرائيليين هذه الأيام ليسوا من تلك العيّنة، بل هم حُكماً أول المنتظرين لرؤية الفصل الجديد من فصول محاربتهم.. بالفتنة ومشتقاتها؟! والله أعلم.