غريب تصرّف البعض، خصوصاً اولئك الذين يمسكون العمل السياسي من ذيله، فهم إما يخبطون خبط عشواء، وعلى قاعدة «انا اعمى ما بشوف، انا ضرّاب السيوف»، وإما يتعمّدون لبس لبوس الحكماء والعارفين، والحريصين على الحكم والدولة والقانون، فيبدأون بتوزيع النصائح يميناً ويساراً، الى درجة ان السامع يتمنى لو انهم «حوزقوا» ولم يحكوا.
هذا الصنف من الطارئين على السياسة، يحلو له احياناً ان ينصح مثلاً البطريرك الماروني نصرالله صفير بما يجب عليه قوله، او رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان بما يجب عليه فعله، ويفتش بين الوزراء والنواب والقيادات، عمّن هم مرجعيات في اعمالهم، ليوزّع عليهم انتقاداته وملاحظاته، واتهاماته لهم إما بالتقصير – ويا ليتهم يقصّرون ألسنتهم – وإما بقلّة الخبرة وعدم التدبير.
هؤلاء يستفزّون الناس، خصوصاً من كان منهم قد عاصر رجالاً عمالقة في الوطنية والسياسة، اخاف ان اعددهم حتى لا انسى احداً منهم، ولن اسامح نفسي على ذلك، فهل يعقل في هذا الزمن الرديء والفترة العاقرة، ان يحلّ هؤلاء مكان اولئك، ولا تدمع العين ويحزن القلب.
***
هذه المقدمة، حول هذا البعض الذي حوّل الحياة السياسية الى دكان شتائم، واللغة العربية الى سوق عمومي، والتعامل مع الآخر الى حفلة تكاذب ورياء وباطنية، كان لا بدّ منها، «كفشّة خلق» اولاً، ولتسليط الضوء على الحالة التعيسة البعيدة عن النسيج اللبناني الاصلي ثانياً، التي اوصلنا اليها هذا البعض الذي لا يحمل من اللبنانية الاصيلة سوى الهوية.
***
في كل مرة، تتأزم فيها الامور الى حد الانفجار، احمد الله على وجود مسؤولين وقيادات ما زالوا يتزيّنون بالعقل والوطنية والشعور بالمسؤولية، وفي طليعة هؤلاء رئيس الجمهورية العماد سليمان الذي يحرص عند المفترقات الصعبة على ان يعطي ما لله لله وما لقيصر لقيصر، وميزانه في هذا الخصوص لا يخلّ ولم يخلّ مرة، على الرغم من الانطباع الاول عند البعض، باقتناعه او بعدم اقتناعه بموقف رئيس البلاد، لان الرئيس سليمان، عندما يعلن موقفاً او يتخذ قراراً، فللمصلحة الوطنية العليا هذا الموقف وهذا القرار، وليس من اجل مصلحته هو او مصلحة اي فريق آخر، ولذلك فان الموقف الذي اتخذه حيال مذكرات التوقيف السورية بقوله انه كان يتمنى لو لم تصدر، وباصراره على المضي الى النهاية بقضية ما يسمى الشهود الزور، كان ينزع عشرات فتائل التفجير المعدّة لتفجير الحكم والبلد، ويقيني انه مستمر بمهمته هذه، وهو الذي اقسم على حماية الوطن والشعب والدولة والمؤسسات.
ما من لبناني يعتزّ بلبنانيته، ودولته ودستوره وقوانينه، لم يشعر بانه مستهدف هو شخصـياً، عندما يتم استهداف رجال كبار امثال اللواء اشرف ريفي، والنائب الشهيد الحي مروان حمادة، والوزير السابق شارل رزق، والنائب السابق المناضل الشريف الياس عطالله، ورئيس فرع المعلومات العقيد وسام الحسن، وعدد من خيرة القضاة، والزملاء الصحافـيين، وخصوصاً ان اللبنانيين، على اختلاف فئاتهم وتوجهاتهم كانوا ينتظرون الخير من انفتاح رئيس حكومتهم سعد الحريري على سوريا، لان اللبنانيين منذ بداية القطيعة في الخمسينات من القرن الماضي، كانوا دائما يسعون الى اطيب العلاقات مع سوريا، على الرغم من اختلاف النظام بين البلدين والشعور بان سوريا لم تقبل لبنان يوماً دولة قائمة بذاتها.
اما بالنسبة الى الشهود الزور، فليس هناك اغرب من الطريقة التي يدير بها جماعة 8 آذار هذا الملف، لانه وفق الاخبار المتداولة لا احد من الشهود الزور «عليه القدر والقيمة» ممن تتردد اسماؤهم في وسائل الاعلام وبين الناس، سوى المدعو محمد زهير الصديق المتواري عن الانظار، ولا يظهر الا عند كبسة زر احدهم، والثاني هو النجم التلفزيوني هسام هسام، الذي يسرح ويمرح كيفما شاء، و«ظمط» من مذكرات التوقيف مثل «الشعرة من العجين» والسؤال، هل ان القضاء اللبناني قادر على توقيف هذين الشاهدين اللذين خرّبا البلد، وماذا عنده من معطيات للسير في المحاكمة اذا لم تزوّده المحكمة الدولية بما عندها، ام ان القصة قصة عنزة ولو طارت، وان المطلوب ليس رأس الشهود الزور، بل رأس المحكمة الدولية.
لا يظنّن احد ان هناك لبنانياً واحداً لا يرغب بكشف الشهود الزور ومعرفة من هم، ومن ارسلهم، او من اتى بهم، وان تتم محاكمتهم ومعاقبتهم اذا ثبتت ادانتهم، ولكن ان ندفع يومياً باتجاه توتير الاجواء وضرب الاستقرار واضعاف الاقتصاد، وتخويف الناس، تحت لافتة لا تحمل سوى كلمتي الشهود الزور، بحيث تحوّلت هاتان الكلمتان الى معزوفة تتردد من الصباح الى الصباح، فهذا موقف لا يمكن ان يقال انه عادل او بريء او حق، طالما انه يأسر الشعب اللبناني في دائرة القلق الدائم والتوتر الذي يشلّ الحياة الطبيعية، وحسناً فعل وزراء التنمية والتحرير في جلسة مجلس الوزراء بالدفع نحو البدء بمعالجة موضوع الشهود الزور في ضوء تقرير وزير العدل ابراهيم نجار، علّنا نصل الى خواتيم هذه القصة التي اخذت كثيرا من وقت اللبنانيين واعصابهم وسمعتهم واستقرارهم.