يحلو للبعض أن يتحدث عن المحكمة الدولية وسائر المؤسسات المنشأة بقرارات صادرة عن مجلس الامن الدولي وكأنها مجرّد هيئات يمكن تطييرها بخطاب من هنا وعنتريات من هناك.
ومن غير المعقول أن يكون هؤلاء يجهلون أدنى موجبات ومستلزمات وواقع وظروف القرارات الدولية التي لا تصدر إلاّ بصعوبة وبعد إجراءات طويلة ربما استغرقت أشهراً طويلة في مرحلة التمهيد لها، حتى إذا صدرت أضحت ملكاً للمجتمع الدولي بكامله، وليس لأي طرف أو جهة أن يؤثر فيها أو يعدّل في نصوصها او يحرفها عن مسارها، بما في ذلك الاطراف المعنية بها.
وفي محاولة لإنعاش ذاكرة بعض الذين "يتمرجلون" على المحكمة الدولية من أجل لبنان، سواء بأن يسخروا منها، أم يزعموا أنهم غير معنيين بها، أو انهم غير مهتمين بمفاعيلها، الخ… نذكّرهم بما آل إليه مصير الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، الذي طالبه المجتمع الدولي بأن يغادر الكويت اثر غزوه الشهير لها… ولمّا لم يفعل جرى طرده منها بالقوة، مع ما رافق ذلك من ضربة قاصمة للجيش العراقي الشقيق وللبنى الاقتصادية والعمرانية والتحتية في بغداد وضواحيها خصوصاً.
ثم بقيت مفاعيل القرار الدولي بشأن العراق تتصاعد نحواً من ثلاث عشرة سنة (من 1990 الى 2003) الى أن تشكل "التحالف الدولي" بزعامة الولايات المتحدة تحت مظلة الشرعية الدولية لمجلس الامن، وجرت الحرب الاحتلالية التي دمّرت البلد الشقيق ومزّقته وشرذمته مذاهب وقوميات وأعراقاً وقبائل، وأنهت جيشه تسريحاً ومحاكمةً لكبار الضباط، وأطاحت النظام بعد البلاد، وكان مصير الرئيس صدّام حسين كما يعرف الجميع.
وكان في الإمكان تفادي تلك المأساة الهائلة، وحجب هذا النهر من الدماء، الذي ما زال يتدفق في العراق حتى اليوم من دون توقف، بسبب الاغتيالات والتفجيرات، ما كان منها إرهاباً أو مقاومة حقيقية… كان تفاديها كلها ممكناً لو لم يركب النظام العراقي رأسه، ويرفض الامتثال الى الشرعية الدولية… ولكان العراق بقي تلك القلعة العربية الصامدة التي استقطبت حب العرب واعتزازهم في مشرقهم ومغربهم.
ومن الواضح أن المحكمة الدولية ستحقق الغاية التي أُنشئت من أجلها، والتي برزت في حيثيات القرار الدولي 1757، وأبرزها: ما "يطالب به الشعب اللبناني من تحديد هوية جميع المسؤولين عن التفجير الارهابي الذي أدى الى مقتل رئيس وزراء لبنان (…) وتقديمهم الى العدالة".
وبينما يذكر البند (1) أن مجلس الامن الدولي "يتصرّف بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة، يرد سلفاً في الفقرة (ج) من هذا البند على الذين يعارضون تمويل المحكمة بالنص الآتي: "إذا أبلغ الامين العام (المجلس) عن عدم كفاية مساهمات الحكومة اللبنانية لتحمّل النفقات المبنية في المادة 5 (ب) من الوثيقة المرفقة، فإنه يجوز له قبول تبرعات من الدول الأعضاء لتغطية النفقات".
وباختصار، فإن المحكمة ماضية في عملها، واصل لبنان تمويلها أم لم يواصل، طارت الحكومة أو بقيت… فالقرار الدولي قائم والى تنفيذ.