زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد للبنان تأتي في اطار زيارات قام بها العديد من رؤساء دول صديقة دلت على مكانة لبنان في المجتمع الدولي. وبالتالي شكّلت امتحاناً لمستوى مركزية الدولة ومؤسساتها وسط الحمى السياسية الآخذة في التشويش والتمادي في استباق أي حوار جدي متّسم بالموضوعية. ولعل اقامة رئيس الحكومة سعد الحريري غداء تكريم للرئيس الايراني في السرايا مؤشر أو بالاحرى دليل على تمسك بأولوية مؤسسة الدولة والاسهام المتعمد في ترسيخ دورها بهدف تنفيس الاحتقان السائد وما يقارب الهذيان في الخطاب السياسي القائم.
بمعنى آخر، فإن هذه البادرة من شأنها ان توفر للعلاقات اللبنانية – الايرانية الاستقامة المطلوبة ان تميز علاقات لبنان مع جميع الدول التي تحترم سيادة الدولة. وهذا بدوره ينطوي على رسالة الى الدول الكبرى والاقليمية الصديقة ان لبنان الدولة آخذ في انضاج مناعته ضد التدخل والاملاء تحت ستار "النصح" و"التنبيهات" التي وردت من "أي صفقات سلاح" والتلميح بكون لبنان عضواً في مجلس الامن عليه عدم خرق قرارات المجلس في ما يتعلق بالعقوبات المفروضة على ايران، هذه النصائح والتنبيهات تنبثق من نظرة استصغار للبنان الدولة وبالتالي استمرار بعض الدول في التصرف وكأنها الاحرص على لبنان من الدولة اللبنانية. كما ان الرئيس الايراني مطالب بتوثيق العلاقة مع الكل اللبناني، والكل عليه التعبير عن رغبته الصادقة في علاقات مستقيمة أسوة بالدول التي يعتبرها لبنان صديقة وان لم تكن كذلك مع ايران.
يستنتج ان الزيارة التي يقوم بها الرئيس الايراني للبنان، اذا التزمت طابع رسميتها، فهذا من شأنه الاسهام في تقليص حدة التوتر الملازمة لعلاقات ايران مع بعض الدول العربية، وبالتالي تقليص محاولات الفرز داخل الوطن العربي الكبير بين ما يسمى دول الاعتدال ودول الممانعة، بحيث يمكن هذا الشرخ العدو المشترك، اسرائيل، من الاستمرار في عدوانها واحتلالها، وبالتالي استكمال مشروعها الصهيوني الآخذ بالتمدد نتيجة إمعانها في التمدد الاستيطاني وبقائها بعيدة من العقاب.
ان طبيعة تعامل لبنان الدولة مع هذه الزيارة من شأنها أن تشكل الامتحان الذي يؤكد ان الدولة قادرة على تفعيل مهماتها في الاسهام ايجاباً في الأمن الاقليمي لحماية المنطقة العربية والجوار التركي والايراني من ان يبقى ساحة لتصفية حسابات مما أدى الى تداعيات في العراق واليمن وغيرها، وقد صمم لبنان على أن لا يكون لبنان "امتداداً أو ساحة لحروب الغير" كما يقول غسان تويني منذ سنوات.
ان الحكمة التي تفسر هدوء التعامل مع هذه الزيارة للرئيس الايراني والتي يعبر عنها الرئيس ميشال سليمان هي بدورها مطالبة بتحويل السجال المحموم الى حوار جدي مسؤول يحمي الوحدة الوطنية، وان الاولوية للحرص على الأمن الاقليمي والامان للمواطن اللبناني. اذا تمكن لبنان من تأكيد رسمية الزيارة فيكون ساهم في حميمية العلاقة، وهذا هو الامتحان للبنان ولايران ايضاً.