#adsense

وطن في غرفة العناية الفائقة

حجم الخط

صديق لي يرافقني في رياضة صباحية تتمثل بقطع مسافة على حائط الحماية البحرية والكورنيش هو صاحب ثلاثة محلات خاصة بالألبسة النسائية ومشغل للخياطة يؤمن لمحلاته البضائع المطلوبة الجاهزة.
لقد حقق من عمله نجاحاً ملحوظاً وتوصل الى تأمين الراحة والعلم والكفاية لنفسه ولعائلته. منذ بداية الصيف وأعمال المشاغبة على اليونيفيل في الجنوب وتسمم المناخ السياسي وتصاعد الاتهامات المتبادلة، انكمشت أعمال الرجل الذي كان يستخدم 20 عاملاً وموظفاً، اضطر بعد هبوط مبيعاته بنسبة 60 في المئة الى اختصار عدد العاملين لديه الى ستة موظفين وعمال، وتالياً خسر 14 لبنانياً ولبنانية عملهم الذي توافر لهم مدى سنوات.
وكان هذا الصديق يمهد لافتتاح موقع إضافي لتسويق الألبسة النسائية لابنه البكر الذي انهى دراسته الجامعية. وبسبب تلبد الجو السياسي وتقلص النشاط الاقتصادي امتنع عن تحقيق هذا الاستثمار واصبح يفكر في البلد الأنسب لهجرة ابنه وربما ابن آخر قارب الانتهاء من دراسته.
ان هذه الصورة المبسطة توفر لوحة مأسوية عن الزمن الذي نعيشه. فالبلد يبدو كأنه مرشح لان يكون ساحة حرب بين أبنائه تؤدي الى تدخل الآخرين اعداء واصدقاء في تأمين سلامة هؤلاء بعد جولة قتالية تعيد الأوضاع بضع سنوات الى الوراء اقتصادياً، سياسياً واجتماعياً.
الأمر الذي يزيد مرارة هذه الصورة المتمثلة بالتراجع عن الاستثمار وضمور النشاط والتطلع الى الخارج، ان حراس الهيكل منصرفون الى مصالحهم والى تعزيز مواقعهم بعضهم تجاه البعض، وكأن المواطنية امر لا يعني اياً منهم وسلامة
البلد آخر اهتماماتهم.
وحيث ان هذا هو الوضع الفكري والعملي السائد، نجد ان المشاريع الحيوية لمعيشة اللبنانيين ولصورة لبنان مؤجلة دوماً ولا نشهد اهتماماً بشأن عام إلا بعد تأزم اوضاع تؤدي الى تبرم المواطنين، وتالياً تهدد مواقع المسؤولين سواء بالنسبة الى امدادات المياه والكهرباء أو ازدحام السير وهدر الموارد المالية وأوقات العمل على طرق تحتاج الى وقت طويل وصبر مديد قبل الوصول الى المكتب أو المشغل أو الدائرة الحكومية أو أي موقع يقصده مواطن لبناني لمتابعة مسألة حياتية عادية تعتبر في البلدان المنتظمة من روتين الحياة الميسرة.
ولنأخذ مثلاً واقعياً على ما نتحدث عنه. الوزير جبران باسيل اعتبر منذ فترة قصيرة ان توافر المياه والكهرباء من عصب الحياة العصرية، بل من العناصر الاساسية التي تدفع المستوى الحضاري والبيئي لأي بلد.
وهو سارع الى تبني مشروع سريع لتعويض نقص طاقة الانتاج الكهربائي عن حاجات الاستهلاك، فارتأى التعاقد بسرعة وتحت جناح خياره الانفرادي التعاقد مع مصانع جاهزة وعائمة للإنتاج الكهربائي، وهو لم يتوقف عند حاجات ضبط تدفق الكهرباء من هذه المصانع الى مختلف اطراف جسد الاقتصاد اللبناني عبر شبكة متكاملة وذات مستوى يحصر الخسارة الفنية. وعلى ما يبدو أحيل اقتراحه على لجنة وزارية قد تتحقق من شروط توافر الكهرباء على شكل يضمن انضباط التكاليف وحصر الخسائر الفنية، وهذا توجه جيد شرط ان تتم الخيارات في وقت قريب.
وبعد الكهرباء، التي كانت حاجات تطويرها واضحة وموضحة منذ 16 سنة في تقرير مفصل للبنك الدولي، رأينا الوزير يوقع اتفاقاً لجر مياه من الاولي بواسطة انفاق تحفر في الجبال الى بيروت بكلفة تقديرية تبلغ 370 مليون دولار، منها قرض بـ200 مليون دولار من البنك الدولي، و140 مليون دولار من مصلحة مياه بيروت- والعجيب ان لديهم هذا المال وهم لم يعمدوا الى ترفيع شبكة التوزيع المائي في بيروت منذ سنوات – و30 مليون دولار ترصد في ابواب الموازنة.
ان الحاجة الى المياه ملحة ومعروفة منذ سنوات في بلد ينعم بتساقط مقدار من المياه يسمح له بأن يصبح بلداً مصدراً لكميات قد تكفي لسد الفاتورة النفطية، لكن اهمال حراس الهيكل لحاجات اللبنانيين حال دون تنفيذ مشاريع في هذا النطاق سوى سد شبروح الذي يخزن واحداً في المئة من تساقط المياه في لبنان، ومن ثم يتبعثر نصف هذا المخزون في مجاري التوزيع المهملة.
ولنعد الى موضوع استجرار المياه لبيروت من نهر الاولي. لقد انجزت دراسات هذا المشروع شركة اختصاصية هي Mont gomry Ward البريطانية منذ عشرين سنة على الاقل، وتقرير الشركة الذي توافر لمجلس الانماء والاعمار – الذي اختار الامتناع عن دفع القسط الأخير من كلفة الدراسة – أشار الى أفضلية جر المياه بواسطة انابيب عن علو نحو 380 متراً الى الشاطئ الجنوبي لبيروت حيث ينجز معمل لتكرير المياه ومن ثم ضخها الى بيروت. وكلفة هذه العملية، للكميات المقترحة مع الاستملاكات المطلوبة على سفوح الجبال لمد الانابيب لا تزيد على 100 مليون دولار، والوقت المطلوب للانجاز سنة. واختارت الشركة هذا المنهج بدل حفر انفاق في الجبل تجهز بأنابيب لجر المياه الى الموقع ذاته للتنقية.
مشروع الوزير البديل يحتاج الى خمس سنوات على الاقل وتبرير اعتماده هو ان الانابيب عرضة للقصف الاسرائيلي في حال نشوب نزاع مع اسرائيل، وكأن محطة التكرير التي لا بد من ان تكون مكشوفة ليست عرضة للقصف، علماً بأن الانفاق اذا اصابتها قنابل من نوع القنابل المخترقة للتحصينات تحتاج الى وقت أطول بكثير من اصلاح انابيب سطحية يمكن استبدالها خلال أشهر في أقصى حد.
ويبقى على اللبنانيين ان يعايشوا مناخ الحرب ما بينهم وعليهم، ومشاريع المسؤولين التي تبدو مفيدة انما بعد انقضاء سنوات وسنوات، قد تمتد الى ربع قرن آخر.

المصدر:
النهار

خبر عاجل