كشفت قضية ما يسمى "شهود الزور"، خاصة في الأيام القليلة الماضية، عددا من المفارقات التي تدعو في جانب منها الى الحزن فضلا عن السخرية وفي جانبها الآخر الى الخوف ليس على حاضر البلد فحسب وانما أولا وقبل كل شيء على مستقبله.
في رأس هذه المفارقات، تظهر على السطح الوقائع الغرائب التالية:
= الترحيب المبالغ به، من قبل "حزب الله" وحلفائه وشخص المدير العام السابق للأمن العام اللواء جميل السيد، بمذكرات الاعتقال الغيابية التي أصدرها قاضي التحقيق السوري بحق 32 من الشخصيات الرسمية والنيابية والاعلامية في لبنان، اضافة الى شخصيات سورية واعلاميين عرب ومحققين دوليين، فيما يتجاهل المرحبون هؤلاء(لعلهم نسوا فقط!) أنهم هم، وبأشخاصهم والناطقين باسمهم بالذات، كانوا قد نظموا قبل ذلك بأيام فقط "تظاهرة" مسلحة اقتحموا فيها حرم المطار لمنع تبليغ اللواء السيد مذكرة استدعاء أمام القضاء اللبناني للتحقيق معه في كلام اعتبر ماسا ببعض رموز الدولة.
ولم يرف جفن أحدهم، تعليقا على انتقاد البعض للواقعة الفجة، وهو يقول ان ما حدث كان "حقا" من حقوقهم.
= اصرار المرحبين أنفسهم(وغيرهم من المريدين) على وصف مذكرات الاعتقال السورية بأنها بحت قضائية، فيما لا يدع هؤلاء يوما يمر، أو مناسبة من المناسبات، من دون الصاق تهمة التسييس، فضلا عن تهمة الأسرلة والأمركة، بـ"المحكمة الخاصة بلبنان" والمطالبة العلنية بالغائها، أو أقله منع تمويلها، والغاء القرار الاتهامي الذي لا يعلم أحد متى يصدره المدعي العام الدولي وماذا يتضمن.
والمفارقة هنا أن الاستنابات القضائية السورية، وهي التي أصبحت مذكرات اعتقال غيابية، كانت في البداية تضم 33 شخصا وليس 32 فقط، وأن مذكرة سورية مماثلة صدرت في وقت سابق بحق رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط، وأن جنبلاط تحدث بنفسه عن ذلك قبل أيام فقال ان المذكرة بحقه قد سويت سياسيا.
واذا، على اللبنانيين ألا يناقشوا في الماهية البحت قضائية، واللاسياسية، لهذه المذكرات.
= تهديد وزراء "كتلة التنمية والتحرير" التي يترأسها رئيس مجلس النواب نبيه بري بتعليق مشاركتهم في جلسات مجلس الوزراء ما لم يناقش المجلس قضية "شهود الزور" هذه ويتخذ قرارا بشأنها، وعدم تهديدهم، أو غيرهم من الوزراء، بعمل مماثل(احتراما للذات، فضلا عن الشكل) في ما لو لم يتم تبليغ اللواء السيد مذكرة الاستدعاء التي سطرتها النيابة العامة بحقه وحيل حتى الآن، وبالقوة المسلحة كما هو معروف، دون تبليغه اياها.
غني عن القول أن ما يشغل اللبنانيين الآن أهم من ذلك وأخطر، وأن أحاديث رجال السياسة أنفسهم تتراوح بين التهديد ب"الفتنة المذهبية" الاسلامية و"الحرب الأهلية" الشاملة(أقوال قادة ونواب "حزب الله) والتبشير ب"سقوط الدولة" و"انقسام الجيش والقوى الأمنية"(مقولات اللواء السيد) والدعوة الى "التمرد على السلطة" و"العصيان المدني"(طروحات العماد ميشال عون) والحديث عن "استقالة الحكومة، أو اقالتها بالقوة"(نظريات وئام وهاب وناصر قنديل)، الا أن ذلك لا يقلل من أهمية وخطورة التفصيل الخاص بـ"شهود الزور"… أو هو ربما يفسره، ان لم يكن يكمله على طريقة البناء حجرا فوق حجر ومدماكا فوق مدماك.
ذلك أن الاهتمام بحل "الصغائر" بذريعة السعي لتجاوز "الكبائر" لم يعد ينفع الآن، ولن ينفع في المستقبل، تماما كما لم ينفع في الماضي. بل على العكس، فقد أكدت تطورات السنوات الخمس الماضية تهافت هذه المحاولة والقائلين بها. ولا حاجة لاعطاء الدليل على أن "سياسة القضم.. والهضم" هي السياسة الوحيدة المعتمدة من قبل هؤلاء: نأخذ، فقط لنطلب المزيد!!.
أكثر من ذلك، فلم يعد جائزا، اذا كان للبنانيين أن يمنعوا الانهيار، لا التهاون مع حملة السب والشتائم التي يشنها نواب أو رؤساء كتل نيابية على رئيس الجمهورية مثل القول انه لا يفعل الا أنه يبكي أو أمنيون وسياسيون سابقون على رئيس مجلس الوزراء مثل التهديد بأخذ الحق باليد أو آخرون في بعض الأحزاب والتيارات السياسية وأجهزة اعلامها على رموز الدولة القضائية والعسكرية والأمنية والادارية.
فذلك التهاون هو الذي أدى الى هذه الحال، من دون أن تغير شيئا فيها مراعاة، أو حتى عدم مراعاة، الواقع المفروض بالقوة على الأرض.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالسؤال الذي يطرح نفسه بالمناسبة هو: ماذا كان سيكون الوضع في لبنان الآن لو أن الأقلية النيابية الحالية والسابقة تحولت الى أكثرية في انتخابات العام 2005، أو لاحقا في انتخابات العام 2009، وتاليا استفرادها بالسلطتين التشريعية والتنفيذية في البلاد؟.
غالب الظن أن لبنان آخر، لبنان مختلفا بصورة جذرية عما عرفه اللبنانيون والعرب والعالم جميعا، كان سيعلن عن نفسه… ولو على الورق.
كان هذا "اللبنان" سيلجأ الى وقف تمويل "المحكمة الخاصة بلبنان"، وسحب القضاة اللبنانيين منها، وتاليا الغاء المحكمة من أساسها.
.. وسيحاكم كل من نزل الى ساحة الشهداء مطالبا بانشائها وداعيا لمعرفة الحقيقة باعتباره عميلا للصهيونية والامبريالية الأميركية، أو أقله "شاهد زور".
.. وسيعمل على اعادة الوضع الى ما كان عليه قبل الرابع عشر من شباط العام 2005، بما يتوافق تماما مع ما تصرح به بعض الأصوات في هذه الفترة.
ثم ماذا؟!.
لكن المحكمة ستبقى من دون تعديل أو تبديل، كما أن اللبنانيين أنفسهم(على تباين الآراء في ما بينهم) سيبقون هم أيضا، وان في ظل ظروف أخرى بالغة التعقيد ومختلفة عما هي عليه الآن.
الشيء الوحيد الذي سيتغير هو اعلان لبنان دولة فاشلة، أو حتى مارقة، أو حتى مصدر قلق للمنطقة وللعالم، مع ما يعنيه ذلك بالنسبة للبلد وأهله على صعيد علاقاتهم بالعالمين العربي والخارجي الدولي.
الا أن الأقلية النيابية بقيت أقلية، وبرغم مبادرة الأكثرية الى طرح ثم تشكيل "حكومة وحدة وطنية"، فما تفعله الأقلية حاليا لا يخرج عن الأهداف اياها: الغاء المحكمة الدولية، أو أقله انشاء محكمة لبنانية في موازاتها تحت عنوان محاكمة "شهود الزور"، ومحاولة اعادة الحال في لبنان الى ما كانت عليه سياسيا وأمنيا قبل 14 شباط العام 2005.
ولا معنى للتهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور، وفرض التغيير في لبنان بالقوة، في ما لو صدر القرار الاتهامي للمدعي العام الدولي، الا هذا المعنى.
"شهود زور"؟!.
لعل اللبنانيين كلهم شهود زور في هذه المرحلة من حياتهم، لكن ليس بوصفهم أعطوا افادات ربما تكون ضللت التحقيق باغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، كما بسلسلة الاغتيالات التي تلت تلك الجريمة على امتداد العامين 2005 و 2006، وانما باعتبارهم مضللين(بفتح اللام) بالنسبة لما يشهده بلدهم في هذه المرحلة.