مذكرات التوقيف بعد الحملات على الحريري قرار أم خطأ ؟
دمشق تبرز مسؤوليتها عن تأخير عملية التطبيع
يقول سياسيون زاروا العاصمة السورية اخيرا انهم لم يجدوا او يلحظوا حماسة كبيرة لدى المسؤولين السوريين في الدفاع عن مذكرات التوقيف التي اصدرها القضاء السوري في حق شخصيات لبنانية ولم يفهم هؤلاء تماما لماذا عمدت دمشق الى ذلك. فبهذا الاجراء اظهرت سوريا، كما يعتقدون انها لا يمكن ان تتغير او ان تعدل طريقة تعاملها مع لبنان واعادت التذكير بانحيازها الى فريق لبناني ضد فريق آخر في حين ان الابواب فتحت على نحو واسع امامها من اجل تصحيح العلاقات بين البلدين بحيث لا تقتصر على السلطات الرسمية بل تشمل ايضا الرأي العام في لبنان. ويؤكد هؤلاء السياسيون انهم قالوا للمسؤولين السوريين ان هذه الخطوة لن تصب في مصلحتهم على الاطلاق. اذ انها الى جانب التسريبات عبر الاعلام اللبناني عما تريده دمشق من الرئيس الحريري شروطا او تنازلات لا تساعد المسؤولين في لبنان، اكان الرئيس الحريري او سواه، في ان يأخذ مناصريه او نواب كتلته او حلفائه الى حيث تريد سوريا. ومع انها تقول لمن يراجعها في شأن الحملات الاعلامية والشروط السورية التي تتولاها وسائل الاعلام المؤيدة لها ان لا احد يتحدث باسم سوريا وهي تتحدث باسمها فقط، فان اي نفي لم يصدر عنها بل كان ثمة تأكيد عبر وسائل عدة لاعتماد سوريا اسلوب الرسائل للحريري وسواه عبر سياسيين او عبر الاعلام اللبناني الموالي لها. في حين انها حتى الان تتذمر من مواقف سياسيين لبنانيين اكانوا حلفاء للحريري او من شخصيات من قوى 14 آذار لانهم لا يزالون يتخذون مواقف عدائية لسوريا وان دمشق وفق ما ينقل هؤلاء السياسيون حساسة جدا ازاء الحملات الاعلامية التي تتناولها اكان من رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع او من الامانة العامة لقوى 14 آذار او من نواب وسياسيين من كتلة الحريري. وتريد من الجميع ان يلتزم الموقف او السقف الذي حدده الحريري للعلاقة معها، لكن الشروط والحملات السورية غير المباشرة والمذكرات السورية اضعفت كل حجج الحريري.
وتتساءل مصادر ديبلوماسية كيف يمكن سوريا ان تسكت عن الحملات التي تناولت الرئيس الحريري اخيرا في حين ذكرت هذه الحملات الكثيرين بالظروف السياسية نفسها التي سبقت اغتيال الرئيس رفيق الحريري على ألسنة سياسيين قريبين من دمشق. وتقول ان المذكرات السورية فعلت فعلها السلبي في تذكير الخارج بان التهاون في موضوع المحكمة يمكن ان يعرض المسؤولين اللبنانيين للخطر. اذ ليس خافيا ان محاولات التأثير السورية او الضغط الجاري في لبنان في اتجاه المس بالاستقرار يؤثر على بعض الدول لاعتبارات ومصالح خاصة بها ولكن المذكرات السورية ادت الى اطاحة التردد الذي اثارته العوامل السابقة في اتجاه ضرورة عدم التردد في موضوع المحكمة او التهاون فيه لان المخاطر السابقة التي هددت حياة شخصيات لبنانية يمكن ان تتوافر من جديد في حال سادت سياسة الافلات من العقاب. كما ان هذه المذكرات احيت المخاوف من نية سوريا وضع اليد على لبنان كما في السابق وان استعجالها ذلك قد يكون آخر عملية التطبيع معها على المستوى الرسمي واكثر على المستوى الشعبي العام. اذ انه للمرة الاولى منذ بدء عملية تصحيح العلاقات بين البلدين دخلت دمشق على نحو صريح على خط التدخل في شؤون لبنان علما انها كانت تدير ذلك في الاشهر الاخيرة باسلوب اكثر ديبلوماسية وذكاء ولم تكن في الواجهة حتى لو جزم الجميع بعودتها الى الساحة اللبنانية. وليس واضحا بالنسبة الى هؤلاء السياسيين ان كان الامر حصل نتيجة انفعال او تسرع او خطأ ام ان سوريا لم تتغير فعلا. وقد اعاد تدخلها مجددا في الشؤون اللبنانية الامور الى الوراء وليس واضحا بالنسبة الى كثر اذا كانت سوريا تسعى من وراء ذلك الى منافسة الوجود الايراني الذي تعبر عنه زيارة الرئيس الايراني للبنان اذ تطرح نفسها للخارج انها بديل من ايران في لبنان بحيث يغدو وجودها فيه اكثر تقبلا من تقبل الوجود الايراني وخصوصا ان مذكرات التوقيف السورية اتت قبل ايام من زيارة نجاد للبنان. لكنها تلقت اشارات واضحة عن عدم القبول بذلك على غير ما كان عليه الوضع في الصمت على اعادة الامساك بلبنان او عودة نفوذها اليه.
لكن النقطة الاهم ان دمشق لا تقوّم علاقاتها بلبنان على اساس امكان تأسيس علاقات جيدة معه بجميع افرقائه مبنية على الثقة والتعاون علما ان الفرصة سنحت لذلك اخيرا. ولا تزال هذه الفرصة متاحة بقوة ما لم تنزلق الامور الى الاساليب السابقة التي دفعت سوريا ثمنها ليس بسبب اللبنانيين وحدهم بل بسبب اخطائها ايضا.