تختلف المرحلة التمهيدية التي تسلكها أزمة المحكمة الدولية كعدّ تنازلي للصدام الكبير الغامض والمحتوم في نهاية هذه الحقبة عن سائر الحقبات التمهيدية تاريخياً للأزمات التي انتهت بصدامات حربية او سياسية او بمزيج من النمطين. هذه المرة لسنا امام خلاف دستوري، ولسنا في مواجهة أزمة نظام، ولسنا حتى في صراع على السلطة، ولا طبعاً أمام ثورة اجتماعية. الا انها الأزمة الأغرب والأكثر "حداثة" التي في امكانها ان تستقطب لاحقاً كل هذه العناوين وسواها وإلحاقها بأضخم منازلة وانقسام داخلي حول المفاهيم القانونية والقضائية في شقيها اللبناني والدولي.
قد يدفع هذا التوصيف القانوني والقضائي للأزمة الزاحفة كثيرين الى السخرية باعتبار انه عنوان مبسّط وسطحي بإزاء دوافع محلية واقليمية أشدّ تعقيداً وخطورة تتخفّى وراء هذه القشرة. ولكن يتعيّن على هؤلاء ان يمعنوا على الأقل في معنى فرض مسألة "شهود الزور" شرطاً قسرياً على الحكومة في أولويات أمر العمليات الطالع، ليس من منظار تصاعد "القسرية" بما تنبئ به من تسريع للعد العكسي فحسب بل من منظار استحالة إحلال "تسوية" بين منطق "قانوني" تمليه النصوص المتجردة ومنطق "ثوري" تمليه إرادة نقض مستنفرة.
يمر لبنان الآن بتداعيات هذا الصدام تماماً. فريق المحكمة يملك الورقة الحاسمة في أرجحية المنطق القانوني والقضائي المسلّم به دولياً في كل معايير هذا الصراع بدليل تهاوي الأثر القانوني لمذكرات التوقيف السورية في لحظة إصدارها فوراً، ومن ثم صدور أرفع اجتهاد عن الامم المتحدة نفسها في مسألة عدم إجازة تسليم وثائق سرية تابعة للتحقيق الدولي. وفي البعد القانوني الجاد لهذين التطورين، لا معنى لكل الطعن السياسي بمتانة الحجة اللبنانية في اسقاط قانونية المذكرات السورية، ولا ايضاً للطعن السياسي المماثل بصدقية الامم المتحدة.
اما الفريق المناهض للمحكمة فيبدو مدركاً تماماً ان قتاله على الجبهة القانونية والقضائية الصرفة يضعه سلفاً في موقع ضعيف، حتى لو تمكّن من فرض مسألة "شهود الزور" على الحكومة. لذا أقام هذا الفريق منظومة اتهامية شاملة لمجمل الهيكل القانوني والقضائي في شقيه اللبناني والدولي المتصل بالمحكمة الخاصة بلبنان لكي تكون هذه المنظومة أداته الحاسمة للتثوير على المحكمة استباقاً لقرارها الظني، وقبل ان يحين الموعد الحاسم المفترض لانتقاله الى المرحلة التالية التي قد يكون مصير الحكومة والبلاد برمتها رهن حلوله.
وبين هذين المفهومين فقط، وفي معزل عن كل الاضافات والأبعاد و"جبال الثلج" التي تختبئ من هنا وهناك داخلياً وإقليمياً، تغدو الآمال المعلّقة على "تسوية" أشبه بشفاعة القدر.
فإذا كانت المنظومة الاتهامية باتت تدرج المحتكمين الى القوانين والقضاء في خانة المتآمرين، فمعنى هذا مخيف وهو ان المقصود الاقتصاص من "ثقافة" متراكمة على مرّ العقود هي ثقافة القانون بمحكمة دولية او من دونها. فكيف "بالمسببات" التي أدت الى نشأة هذه المحكمة والتي يُراد لها ان "تلغى" من الضمير الوطني تحت وطأة عملقة قضية "شهود الزور" قبل ان يلفظ المرجع القانوني الصالح كلمته الحصرية الحاسمة في صحة وصفهم أو عدم صحته؟
ثم ان هذه المنظومة لا تنطلق من ملف المحكمة وحده، بل هي بنت ثقافة اكثر اتساعاً وأشدّ عمقاً في تصادمها مع فريق المحكمة، ترقى الى المناهضة الجذرية لكل ارتباط بالأمم المتحدة والمجتمع الدولي. وإذا كان من "أب شرعي" لتراكم عوامل الصدام المزمنة في هذه الأزمة، فهو الانشطار الكبير عند صدور قرار التمديد للرئيس السابق والذي استدرج آنذاك القرار 1559 ومشتقاته وجاءت حرب الاغتيالات لتدفع الحكومة اللبنانية، بلا حول ولا طول، الى الاستنجاد بالعدالة الدولية.
كل هذا يغيب قسراً الآن، مع أمر العمليات الطالع، الذي يراد له ان يقوّض آخر المفاهيم القانونية الصامدة. ولن تكون الجولة القانونية حول "شهود الزور" سوى القشرة الاخيرة لازاحة الستار عن "شيء آخر" في البال.