يواجه لبنان مأزقاً مزدوجاً: فمن جهة هناك الضغوط الاسرائيلية اليومية وما يرافقها من اعتداءات وخروقات يومية للقرار الدولي 1701 وللخط الازرق، خصوصاً الخروق الجوية، إضافة الى المناورات والتدريبات الاستفزازية على طول الحدود الجنوبية، وكذلك في المياه المتاخمة لمياهنا الاقليمية، ومن جهة ثانية هناك الوضع الداخلي المتأزم نتيجة موقف "حزب الله" وقوى 8 آذار من المحكمة الدولية مدعومين من أطراف إقليمية.
وإذا كان الموقف الاسرائيلي "طبيعياً" و"مفهوماً" كونه صادراً عن عدو شرس لا يمكن أن نتوقع منه إلا الاذى والاعتداءات والتحامل على لبنان ورموزه وقياداته، مثل حملة صحيفة "يديعوت احرونوت"، امس، على الرئيس سعد الحريري، فإن الموقف الداخلي يضع رئيس الحكومة في مواجهة خيارات صعبة جداً، فكلما اقترب موعد صدور القرار الظني ازداد التوتر لدى أطراف 8 آذار، وفي طليعتها "حزب الله" الذي يطالب الحريري بإلغاء المحكمة الدولية بعد الاتفاق على ان اسرائيل هي وراء الاغتيال.
وليت هذه التهمة تكون حقيقية، وليت الامين العام للحزب السيّد حسن نصرالله يقدّم ما لديه من "دلائل" ما زال يحتفظ بها تثبت تورط اسرائيل في الجريمة، لكان الحريري أول المسارعين الى مطالبة المحكمة بتوجيه الاتهام الى العدو… حتى إذا لم تفعل تبرأ منها هو وجميع اللبنانيين.
ولكن في المعطيات الحالية لا يستطيع سعد الحريري أن يتجاوب مع الدعوات الى إلغاء المحكمة، والحديث عن الإلغاء هنا هو نظري محض، كون الإلغاء الفعلي ليس في مقدور لبنان ولا في مقدور أي بلد آخر، إذ دون ذلك آلية دولية معقّدة لا يتوافر أي مؤشر على انها متيسّرة في المرحلة السياسية الدولية الراهنة.
ولو افترضنا جدلاً أن الرئيس سعد الحريري تجاوب مع المطالبة بإلغاء المحكمة فهناك الكثيرون من ذوي الشهداء المعنيون بالمحكمة قدر ما هو الحريري معني بها، وهؤلاء هم أيضاً "أولياء الدم"، ولقد يكون تمسّكهم بالمحكمة لا يقل إطلاقاً عن تمسّك الحريري بها.
سقنا تلك النظريات من باب الافتراض الجدلي ليس إلاّ، ملاحظين أن وتيرة التصعيد الكلامي ستتواصل ضد المحكمة، ولا نستغرب أن تبلغ ذروتها من خلال إثارة ملف ما يُسمّى بـ"الشهود الزور" في مجلس الوزراء غداً الثلاثاء، مع تقديرنا أن الذين يضيق خناق المحكمة عليهم يوماً بعد يوم قد يلجأون الى تصعيد آخر، أشد خطورة، بعد انتهاء زيارة رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية محمود احمدي نجاد الى لبنان.
إلاّ أننا نعي تماماً أن أي تصعيد أمني من شأنه أن يعيد لبنان الى الوراء سنوات عديدة، فيعرقل نموّه في المجالات كافة، إضافة الى ما يترتب من مآسٍ.. نحن نربأ بالاطراف جميعاً أن تكون راغبة فعلاً فيها، خصوصاً وأن الجميع مدرك أن لبنان وطن لا يقوم على "غالب ومغلوب" كما يحاول بعض حديثي النعمة السياسية أن يدّعوا.