#adsense

الاشكالية الايرانية في لبنان من خلال “حزب الله”

حجم الخط

في ضوء كلام السيد حسن نصرالله بمناسبة افتتاح مشروع الشجرة الطيبة نرى ان الاوان قد ان لطرح اشكالية العلاقة مع الجمهورية الاسلامية الايرانية ليس من منطلق تطويق او محاصرة الزيارة المرتقبة للرئيس محمود احمد نجاد الى لبنان التي نرحب بها كزيارة دولة رسمية وتجسيد لعلاقات ثنائية منظمة وفقا للقانون الدولي واصول وقواعد العلاقات الديبلوماسية بل من منطلق تسجيل مكمن التحفظات على السياسة الايرانية تجاه لبنان والمتميزة بالازدواجية في التعاطي بين الخط الرسمي من دولة لدولة وخط غير رسمي من دولة الى فئات وتنظيمات واحزاب.

فالاشكالية التي سلط عليها الضوء السيد حسن بالامس هي نفسها الاشكالية التي لطالما عانى منها اللبنانيون على مر تاريخ ازمتهم منذ ما قبل الـ1975 وحتى ايامنا هذه. فبعيدا عن نكء الجراح واستحضار الماضي انما للبحث ضروراته وصلاته لا بد من التذكير بأنه دائما وعلى مر المحطات كان تطلع قسم من اللبنانيين الى الخارج على حساب الولاء للبنان:

فالمحطة الفلسطينية ابرزت انحيازا لقسم من اللبنانيين الى القضية الفلسطينية المنحرفة انذاك عن طريق القدس ليصبح لبنان المنبر والساحة المستباحة …
والمحطة السورية بعد كامب – دافيد استفادت من انحياز قسم من اللبنانيين الى العمق الطبيعي العربي كي تذوب الهوية اللبنانية في الوحدة والالحاق والتبعية للسوريين… واليوم مع الجمهورية العربية الاسلامية الايرانية ثمة فريق واسع من اللبنانيين الذين يؤمنون بها وبدورها وينتهجونها قدوة وموالاة وتبعية…

فالقاسم المشترك بين هذه المحطات الثلاث ان ولاء الجماعات اللبنانية لم يكن يوما للبنان… لا بل ان توجه قسم من اللبنانيين لطالما كان ومنذ ايام الوحدة العربية الناصرية والجمهورية العربية المتحدة وسواها. فيما تحولت الولاءات الى تبعيات للخارج بدل ان تبقى في الاطار الطبيعي للدعم والتأييد من شعب لشعب اخر ومن امة لامة اخرى …

فتأييد قضية او نهج او فكرة في لبنان لطالما تحول الى استعمار واحتلال فكريين والى تبعية والتبعية تتحول حكما الى ولاءات …
فاللبنانيين لم يأنفوا يوما التأييد لقضية بغض النظر عن صوابيتها ام لا او احقيتها ام لا … بل ذهبوا غالبا في اتجاه الالتحاق والتبعية لها على حساب الكيان اللبناني والولاء لهوية يحملونها ويتفاخرون بها فقط في لحظات النشوة والوجاهة…

لكن الامور لم تكن يوما لتقف عند هذا الحد بل وهنا… مكمن المشكلة في الانعكاسات الداخلية اللبنانية لهذه الحمية لدى القسم الملتزم من اللبنانيين بقضايا الخارج الى حد التبعية والولاء لها، كانت على الدوام متمثلة في التوجه لدى الفريق التابع لارغام الفريق الاخر غير المقتنع من نهج التبعية وغير مستعد للتخلي عن حرصه على سيادة واستقلال لبنان الذين يرى فيهما ضمانة وجوده وحريته وعدم ذوبانه في التوجه العقائدي- الديني الذي كانت غالبا تقاد على اساسها هذه التبعية وتحركها الى حد التوتاليتارية الدينية والتطرف اليساري الماركسي الملحد من دون ان ننسى الخلفيات الاقليمية التي كانت تتحكم بالطمع بلبنان وثرواته وموقعه وصيغته المميزة والفريدة في العالم.

واليوم ومع النموذج الايراني – الحزب اللهي، نرى ان ان هذا المنحى توسع وتطور الى حد تجاوز "حزب الله" ومن يمثله الاطر الكلاسيكسة للتبعية والالحاق بقضية خارجية او نظام خارجي. والمقصود هنا تحديدا بنظام ولاية الفقيه بل وصل الى حد استسهال بناء دويلة لنظام ولاية الفقيه في العمق اللبناني الداخلي وعلى حساب الدولة اللبنانية ومؤسساتها وبما يصطدم بحقيقة تركيبة النسيج اللبناني التفاعلي المتنوع والمتعدد حضاريا وثقافيا ودينيا وعقائديا وسياسيا واجتماعيا – ما ادى ويؤدي الى التصادم الدائمين بين كتلتين لبنانيتين: كتلة لا ترى في التبعية لايران والمحور السوري – الايراني الا مصلحة للبنان وترتضي بالعزلة الدولية لالى حد اعتبار الكرة ارضية مكونة فقط من ايران وسوريا وحماس – وكتلة سيادية لبنانية تؤمن بلبنان منفتح ومتوافق مع العالم الاوسع وملتزم قضايا المجتمع الدولي والقانون الدولي ومنضوي تحت عباءة النظام العربي الواسع من المحيط الى الخليج ومساهم في اطلاق مبادرة السلام العربية وملتزم بالاجماع العربي والعمق العربي شرقا وشمالا وجنوبا بكل الابعاد والتفاعلات …

هكذا تبرز اشكالية السياسة الايرانية في لبنان و"حزب الله" ركنها الاساسي من جانب التبعية والالتحاق بنظام اجنبي على حساب الولاء للبنان… ومن هنا طرح ثوابت الكيان اللبناني على بساط البحث واولها دور لبنان ووظيفته الاقليمية… بخاصة هوية لبنان: هل يتخلى شيئا فشيئا عن عروبته لصالح فارسية جناح من اجنحته لا يرى مانعا من تحويل لبنان الى ساحة مبارزة لتصفية ليس فقط الصراع العربي- الاسرائيلي با ولتصفية صراعات ايران مع العالم اجمع …؟ وهل لا تزال سوريا المدعوة الى الانضمام مجددا الى الحظيرة العربية (احدى ابرز اهداف النظام السعودي الحالي وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز) تمثل قلب العروبة النابض، وبالتالي هذا العمق العربي الحقيقي التي لطالما كانت تمثله في الاربعينات والخمسينات والستينات وهي الحليفة الاستراتيجية الوحيدة لايران في المنطقة وسط نقمة عربية عارمة من الدور الايراني السلبي في المنطقة بدءا من لبنان؟

فالسيد حسن في خطاب افتتاح مشروع "الشجرة الطيبة " زاد الى القناعات والى تأكيداته السابقة العلنية تأكيدا اضافيا بدور ووظيفة "حزب الله" وسياسته الايرانية. وقد اعترف بوضوح وصراحة بالتمويل الايراني والدعم الايراني السياسي والمادي والمعنوي للحزب… وقد اتقن التمييز بين صفتي الرئيس الايراني احمدي نجاد بالتمييز بين كونه رئيس جمهورية اسلامية من جهة وكممثل للثورة الاسلامية الايرانية: فالاولى صفة رجل دولة في زيارة دولة الى لبنان وهي مضبوطة بقواعد البروتوكول والعلاقات الديبلوماسية بين الدول، والثانية صفة رأس النظام المصدر للثورة الايرانية الشيعية للمنطقة ورأس الثورة التي تعتمد مبادىء التشيع الصفوية وفي طليعتها نظام ولاية الفقيه غير المتألفة لا بل المناقضة لمفهوم خليفة الامة الاسلامية في المفهوم الاسلامي العام المأخوذ من السنة الشريفة.

فانطلاقا من مجمل هذا التحليل نستطيع استخلاص التوجهات الاتية:

اولا: ان العلاقات اللبنانية – الايرانية ليست على المستوى الرسمي في ازمة ولكنها على المستوى الشعبي من الجانبين في ازمة نسميها "ازمة ثقة" اذ ان سياسية النظام الايراني المعلنة لم تخف حقيقة اصطفاف النظام الايراني الى جانب "حزب الله" ومناصرته "الحزب" ظالما كان ام مظلوما – وهنا نرى ان على النظام الايراني الكثير ليفعله لتبديد هذه الازمة ان اراد فعلا ان يكون على مسافة متساوية من جميع اللبنانيين على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم وسياساتهم كما يردد السفير الايراني غضنفر ركن ابادي مرات عدة في تصريحاته الصحافية – ونحن نعلم ان ذلك مستحيل في الوقت الحاضر اقله وغير متطابق مع مصالح النظام الايراني واستراتيجية هذا النظام في المواجهة الكونية التي وضع نفسها امامها انطلاقا من لبنان ومن فلسطين والعراق والملف النووي وسواها من ملفات.

ثانيا: ان النظام الايراني في صلب عقيدته ونظرته الى دور لبنان ووظيفته الشرعية منحاز الى فريق لبناني ضد فريق اخر، وهذا الانحياز بطبيعته لن يمكن النظام في ايران من استيعاب التعددية الحضارية والفكرية الحرة التي يمتاز بها لبنان ونظامه – فليس المهم ان يكون في بلد ما تعددية ان لم يكن هناك حرية في اوسع مجالاتها بما فيها السياسية والفكرية والعقائدية ولعل الانقسامات التي تشهده الساحة السياسية الايرانية غداة اعادة انتخاب الرئيس احمدي نجاد وما كشفت عنه من انفصام داخلي في شخصية النظام الايراني ومن دكتاتورية النظام ورؤوسه في مواجهة الكلمة الحرة المعارضة خير دليل على ضيق افق النظام الايراني بالنموذج اللبناني "المستشري"احيانا كثيرة في الحرية والديمقراطية .

ثالثا: "حزب الله" لم يكن ولن يكون حزبا سياسيا من اجل لبنان فقط ولا حتى من اجل لبنان ليس فقط لان طبيعته وتركيبته السياسية وان تضمنت لبنانيين الهوية والوجود القانوني التعاقدي مع الدولة اللبنانية والمواطنة – الا انهم في الفكر والعقيدة والسياسة رجال نظام اجنبي في لبنان ووظيفة الحزب وظيفة اقليمية ودولية اكثر بكثير مما هي وظيفة لبنانية داخلية. من هنا اهمية استيعاب القلق والخوف المستشعر لدى الحزب من القرار الظني للمحكمة الدولية واعتبارها مؤامرة لضرب ليس المقاومة اللبنانية لاسرائيل بل وظيفة الحزب الاقليمية ضد اسرائيل التي تتجاوز باشواط واميال مجرد استرداد مزارع شبعا وتلال كفرشوبا
فبالعودة الى وثائق الحزب السياسية لا يبقى لاحد مجال للشك بدور ووظيفة "حزب الله" الايرانية في المنطقة وفي الصراع مع اسرائيل.
لذلك فان محاولات "لبننة الحزب " فشلت فشلا ذريعا في الشق العقائدي واسلوب رؤية الحزب للصراع مع اسرائيل وفقا للمنظار اللبناني اي من منظار المصلحة اللبنانية التي تقف عند حدود تحرير الارض اللبنانية ليس اكثر…

رابعا: ان اشكالية السياسة الايرانية تجاه لبنان و"حزب الله" جزء من اشكالية اكبر عانى منها لبنان على مدى تاريخه السياسي الحديث: وهي اشكالية مغالاة اللبنانيين في دعم القضايا الخارجية الى حد تحولهم الى ملكيين اكثر من الملك والذهاب الى حد التضحية بدولتهم وسيادتها واستقلالها وشعبه واستقراره وعائلاته وارزاقه وحياته في سبيل الدفاع عن تلك القضايا على حساب لبنان وكرامة لبنان ومؤسساته – فاللبنانيون لا يعرفون تأييد القضايا الخارجية ضمن قنوات الديمقراطية والسيادة واحترام المؤسسات في دولتهم بل انهم يضحون بكل دولتهم في سبيل الدفاع عن تأييدهم لقضايا الاخرين ولو على حساب الوطن، في مقابل نظرة الانظمة الشمولية في المنطقة ومنها سوريا والجمهورية الاسلامية الايرانية الى لبنان ومن منطلقات عقائدية وفلسفية وفكرية مختلفة على انه حديقة خلفية لانظمتهم يمكن استباحتها في اي وقت في سبيل تنفيذ استراتيجياتهم في المواجهة وفي التفاوض على حساب الدولة اللبنانية والسيادة والاستقلال .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل