تضمّن العدد الأخير من مجلة "فورين بوليسي" الاميركية مقالاً تحليلياً طويلاً تناول تطورات الوضع المتدهور في لبنان، وانتهى الى خلاصة تكاد تشبه نعياً صريحاً في اشارتها الى "ضياع لبنان".
من وجهة نظر هذه المجلة الدورية، الرصينة عادة، يشكل الحديث عن ضياع لبنان ادانة واضحة للسياسة الخارجية الاميركية، وخصوصا في منطقة الشرق الاوسط. ولهذا فإن فعل الضياع هنا واقع على اميركا، بمعنى انها هي التي أضاعت هذا البلد الذي طالما كان يُنظر اليه على انه "واحة للديموقراطية" في منطقة يغلب عليها تصحّر الانظمة السياسية !
واذا كان لنا ان نعترض على وصف المجلة لبنان بأنه كان حليفا للولايات المتحدة في اطار ما سمته "جدول اعمال الحرية الخاص بالرئيس السابق جورج بوش، وهو الجدول الذي يتم اهماله الآن في سياق تعميق التواصل مع سوريا"، ومنشأ الاعتراض ان لبنان لم يكن حليفا لاميركا بالمعنى المقصود، فلا هو رغب في هذا "التحالف" ولا سياسات بوش تعاملت معه كحليف… اذا كان لنا فعلا ان نعترض على هذا التفسير الذي قدمته "فورين بوليسي"، فإننا لا ننكر اطلاقا ان لبنان يقف عمليا على "حافة الضياع" لاسباب اخرى.
❑ ❑ ❑
المقصود هنا بالضياع هو ضياعه كبلد قادر على حكم نفسه، له حرمته وسيادته واستقلاله وحريته وقراره وهويته وخياراته الوطنية، وكل هذا البؤس طبعا هو نتيجة الخلافات العميقة المستحكمة بين ابنائه، والتي تدفع به سريعا للهبوط الى درك الدول الفاشلة.
فليس سراً ان الدولة قبل عام 1975، التي شهدت بداية الحرب الاهلية او بالاصح حروب الآخرين على ارض لبنان وباللبنانيين ودمائهم ومصيرهم والمستقبل، لم تكن دولة بل مجرد مزرعة اعتصرتها البورجوازيات الطائفية العمياء والحمقاء. وليس سرا ايضا انه منذ نهاية هذه الحرب عام 1990 لم يشهد لبنان قيام دولة حقيقية، بل تحول ساحة للتناتش والصراع السياسي في ظل نظام سياسي متعدد الرأس وزّع مرجعية القرار السياسي واشترط وفاقا يبدو احيانا مستحيلا بين من هم على الارض لاستحالته بين من هم في السماء!
واذا كانت المجلة الاميركية تقول إن القوى الديموقراطية في لبنان محتجزة الآن كرهائن بسبب التدخلات الخارجية الساحقة فيه، فإن كل القوى اللبنانية، ديموقراطية وغير ديموقراطية اذا جاز التعبير، محتجزة كرهائن او انها في الاسترهان الحديدي للخارج.
واذا كان تاريخ هذا البلد قد شهد في الماضي حقبات من الاسترهان خلفيتها استعمارية وانتدابية، فان الاسترهان الحالي يبدو ماحقاً لانه لا يتصل بالمصالح التي تتراجع وتنتهي بمقدار ما يتصل بالعقائد التي تترسخ وتتأجج.
❑ ❑ ❑
لا حاجة بأحد الى تشريح الوضع الراهن واخطاره الداهمة، فالقتال السياسي حتى الآن على المحكمة الدولية والقرار الاتهامي وشهود الزور هو آخر فصل في النزاع الطويل الذي يبدو انه يتسع ويتعمق رغم "اتفاق الدوحة" الذي نحر الديموقراطية بنصل التوافق، ورغم الوساطات والتدخلات وآخرها القمة الثلاثية، ولكنه ليس بالضرورة الفصل الأخير.
ولعل ما يبعث على سخرية المرارة ان المعركة المتصاعدة من المعارضة التي تشل الدولة، بهدف اسقاط المحكمة الدولية انطلاقا من اتهامها بالتسييس، رغم انها، اي المحكمة، لم تستمع بعد الى قرار اتهامي ولم تصدر اي حكم قضائي، هذه المعركة تفتح الابواب على ما يتناقض كليا مع كل ما قيل ويقال عن المحكمة.
كيف؟
يقولون إن المحكمة مسيسة رغم كل الموافقات السابقة عليها، إن في الحوار الوطني او في البيانات الوزارية، ولكن عندما فتحت مسألة شهود الزور كمنطلق يحتاج الى المعالجة، وإن كان يهدف اصلا الى ضرب المحكمة، ويتم تكليف وزير العدل إعداد تقرير عن هذه المسألة، لا يتوانى منتقدو التسييس عن شن حرب سياسية شعواء على قانونية تقرير وزير العدل، ربما لأن على القانون هنا ان يرضخ لمطالب السياسة والسياسيين!
❑ ❑ ❑
ولعل من الضروري والمؤلم طبعا ان يتذكر المرء مقدار النزف في الاقتصاد والثقة والنمو والتقدم والهجرة والشلل العام الذي يضرب البلاد، التي تنام على قلق وتصحو على ذعر، وهي لا تعرف متى ينفجر الوضع الذي يزداد احتقانا في كل يوم، الى درجة تجعل اللبنانيين يعيشون على فوهة بركان!
وعندما تصل الصراعات والانقسامات الى هذا الحد من الاستنساب والكيفية، ونحمّل النصوص القانونية ما لا تحمل في مسألة شهود الزور التي، كما قلنا، لا يجوز السكوت عنها، بمعنى الذهاب الى رفض تقرير وزير العدل الذي يؤيده كل خبراء القانون في البلاد، فليس غريبا ان نكون كمن يشد الرحال الى الضياع.
لا، ليست اميركا هي التي اضاعت لبنان، فهو ليس احدى ولاياتها في الاساس، لكن اللبنانيين هم الذين يضيّعون لبنان، وقد فقدوا الولاء له وطناً لمستقبلهم والكرامة!