#adsense

“السيد” و”الانقلاب”

حجم الخط

استمع اللبنانيون إلى مقالة أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله الأخير، وبصرف النظر عن مركزية الخطاب في الفضائل الإيرانية وما قدمته إيران من أموال بعد حرب تموز عام 2006 لإعادة اعمار ما هدمته الحرب، وهو عملياً أقل بكثير جداً مما قدّمته دول كالمملكة العربية السعودية والكويت وقطر، مع فارق بسيط جداً أن الدول العربية لم ترسل صواريخها على أنواعها لتحوله إلى ترسانة صواريخ وجبهة متقدمة تخوض منه "حروبها" بما يتناسب ومصالحه الإقليمية، فإن ما يعنينا في كلام أمين عام حزب الله هو الشق اللبناني لا أكثر، وقد سمع اللبنانيون منه حديثاً عن "تعفف" وعدم رغبة حزب الله في تنفيذ انقلاب لتغيير موازين القوى وفرض أمر واقع جديد على اللبنانيين شعباً ودولة، والسؤال الذي لا بد للسيد أن يطرحه على نفسه – إن كان لا يزال مهتماً بنظرة اللبنانيين إليه وتصديقهم لما يخاطبهم به – هل صدق اللبنانيون أو نصفهم على الأقل الرغبات المعلنة، وإن كان السيدُ مهتماً بمعرفة الإجابة إن طرح السؤال، فهو لا بد سيجدها عند الذين لا يتفقون معه بالرأي، لأن رأي "جماعته" و"جمهوره" بات تحصيل حاصل…

والإجابة ببساطة، وبصدق كبير هي لا، ولا كبيرة أيضاً، وهذه الـ "لا" تأتي من تراكم خطابات ووعود وعهود ومواقف أطلقها السيد وتم لاحقاً إسقاطها بذرائع مختلفة، وإذا أردنا أن نبدأ بمصارحتنا هذه فلا بد لنا من العودة إلى ذلك العهد الشهير الذي قطعه السيد على نفسه على الملأ في واحد من أشهر خطاباته، ذاك الخطاب الذي اصطلح على تسميته بـ"خطاب النصر الإلهي"، ففي 22 أيلول 2006 وقف السيد في أول ظهور علني له بعد حرب تموز وأعلن: "هذا السلاح ليس للداخل ولم يُستخدم للداخل، هذا ليس سلاحاً شيعياً، هذا سلاح لبناني، هذا سلاح المسلم والمسيحي، هذا سلاح السني والدرزي والشيعي، هذا سلاح كل لبناني يتطلع لحماية لبنان ولسيادة لبنان واستقلال لبنان، وأنا أعاهدكم أن هوية ووقفية هذا السلاح سوف تبقى هكذا وهذا عهد مع الله وعهد مع الأمة وعهد مع الشهداء".

لم يتنبّه كثيرون يومها لهذا العهد مع الله ومع الأمة ومع الشهداء، فقد انصرفوا إلى تزامنه مع حرب شنها السيد على حكومة عملت لوقف الآلة الهمجية الإسرائيلية، والتي تحوّلت بقدرة قادر من "حكومة مقاومة" إلى حكومة "عملاء وخونة"، فأعلن السيد أن " الحكومة الحالية ليست قادرة لا على حماية لبنان ولا على اعمار لبنان ولا على توحيد لبنان"، وعلى مدى عام ونصف قرر السيد إسقاط الحكومة، وعلق جمهور المعارضة في الشارع، إلى أن سقط "العهد" في خطاب 7 أيار المجيد عام 2008 فأصبح العنوان "السلاح لحماية السلاح"!!

بات اللبنانيون يدركون تقنيات فك شيفرة خطابات أمين عام حزب الله، فهو يوزع ما يريد إيصاله من تهديدات وتبريرات على عدة خطابات إلى أن تحين لحظة جمعها والتذكير بأنه حذر منها، لذا جمع الخطابات والمواقف منذ العام 2005 يراكم لدى اللبنانيين الصورة الحقيقية لموقف حزب الله من المحكمة منذ البداية من قبل أن تكون حتى، والجهود التي بذلها لوضع اليد على لبنان حتى من قبل خروج الجيش السوري منه تنفيذاً للقرار 1559 أو لاتفاق الطائف…

في 8 آذار 2005 وقف السيد حسن وخاطب اللبنانيين المذهولين قائلاً: "لبنان ليس الصومال وليس أوكرانيا وليس جورجيا… إذا فكّرتم في التدخل الأجنبي وإذا كان البعض يتصوّر أن يسقط الدولة والنظام والخيارات الإستراتيجية بتظاهرات وشالات، فإنه مشتبه ومخطئ"، لم يتأخر اللبنانيون في الرد على تهديدات السيد حسن في 14 آذار والتي اضطر تحت وطأة شدتها وثباتها أن يتراجع خطوة لتمر عاصفة "السيادة والحرية والاستقلال"، ففي 16 آذار 2005 ومن على شاشة المنار أكد السيد حسن أن: "كل شيء قابل للنقاش في إطار الحوار وحتى الثوابت تناقش في إطار الحوار (…( وأن حزب الله يتمسك بسلاح المقاومة لأن الصيغة القائمة حالياً مقاومة – جيش – شعب هي التي تحمي البلد (…( وإذا كان ثمة صيغة أخرى مقنعة تحقق هدف حماية البلد من العدوان الإسرائيلي نبحث فيها (…)"، إلى هذا الحدّ تراجع السيد حسن عن تهديداته، كان التيار اللبناني جارفاً، وسلاح الحزب في العراء وتحت رحمة القرار 1559.

وعلى رغم المد اللبناني الجارف في 16 آذار 2005 أعلن السيد حسن عدم ثقته بلجنة تحقيق دولية في الجريمة، على أساس تجارب سابقة مع هذا النوع من اللجان، واقترح تشكيل لجنة تحقيق عربية يمكنها أن تستعين بخبراء دوليين (…) هناك قمة عربية في الجزائر فلتأخذ قراراً بذلك واقترح أن تطالب الدولة اللبنانية بذلك"، أما في موضوع قادة الأجهزة الأمنية (…) فقال: "أطرح شيئاً آخر يمكن أن يكون جديداً، فأطالب بمحاكمة مسؤولي الأجهزة الأمنية"…

ولم يتأخر الرد على هذه الاقتراحات بل جاء في 17 آذار من السيدة بهية الحريري التي أكدت رفضها لجنة عربية للتحقيق في الجريمة متمسكة بـ"لجنة تحقيق دولية تكشف الحقيقة" وباستقالة رؤساء الأجهزة "كلهم"، مشددة على أن "دم الرئيس الشهيد لن يذهب هدراً"، وبعد زيارة "فاشلة" إلى مفتي الجمهورية، تراجع السيد من جديد ليعلن يوم السبت 19 آذار أن طرحه للجنة تحقيق عربية كان مجرد فكرة "وهو يحترم مطلب عائلة الرئيس الشهيد".

يوم الخميس 22 تموز 2010، وجه السيد حسن رسالة تهديد واضحة ومباشرة ومزدوجة، في وجه منها خطاب مباشر لنصف الشعب اللبناني الذي يفترض أنه جمهور 14 آذار، وفي وجهها الثاني تهديد مباشر للحكومة ولميزان القوى الذي أنتجته الانتخابات النيابية فقال: "هؤلاء وكجزء من مشروع كبير في المنطقة يريدون اخذ لبنان إلى أوضاع مشابهة لا أعرف إلى متى سنة أو اثنتين أو أكثر؟ فهل تريدون أن تكملوا معهم بعد كل هذه التجربة؟ انتم أحرار فتحملوا المسؤولية (…) ونقول لبعض الناس الذين حسبوا خطأً ولم يعرفوا أن يحسبوا صح فليحسبوا صح هذه المرة"!! إنه تهديد بليغ وكامل الأوصاف بأكثر من 7 أيار جديد…

يبقى السؤال؛ نعم حاول دائماً حزب الله الانقلاب ووضع اليد على لبنان، وحاول جاهداً طوال خمس سنوات منع قيام تحقيق دولي، ثم قيام محكمة دولية، والطبيعي أن يحاول منع صدور القرار الاتهامي فهو منسجم مع مواقفه طوال السنوات الخمس الماضية، أما وضع اليد على لبنان فقد نجح فيه حزب الله بعدما وجه سلاحه إلى الداخل اللبناني، وبعدها لهث أول اللاهثين لجر البلد للاستسلام لغطرسة السلاح والقوة، بمنطق حزب الله لا مخرج أمامه متاحاً سوى إحداث تطور عسكري يقلب ظهر المجن، واللبنانيون متأكدون أن حزب الله قادر عسكرياً على ذلك، ولكن السؤال الذي يخاف حزب الله من الإجابة عليه: ماذا بعد الانقلاب؟ سيطلع نهار جديد وقد غادر فيه غطاء "المقاومة"، سيصبح مرفوضاً من كل اللبنانيين، سيفاجأ بأنه أعاد إلى الواجهة من جديد مصير سلاحه والقرار 1559 و1701، وقد يجد نفسه وجهاً لوجه في معركة مع العدو الإسرائيلي الذي يستأنف الأعمال العدائية، هذا عدا عن الاحتقان المذهبي والطائفي الذي سيحيط به كزنار نار في الداخل اللبناني… الأمر الوحيد الذي يعيق حتى الآن تنفيذ حزب الله لانقلابه أنه مدرك عجزه عن حكم وطن كلبنان حتى أميركا غرقت في رماله المتحركة!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل