#adsense

نجاد يشعل الفتنة أو يطفئها…

حجم الخط

ما حاجة محمود احمدي نجاد الى إلقاء حجر على العدو الاسرائيلي، عند بوابة فاطمة، طالما انه جهز عشرات آلاف الصواريخ لاطلاقها – في الوقت المناسب – تحقيقا لـ"نصر" آخر جديد على هذا العدو. كان الحجر مجرد فكرة مغرية باستعراضيتها، لكن الدواعي الامنية المفهومة غلّبت استبعاده.

لكن حلول نجاد في الربوع اللبنانية يحمل رسائل في اتجاهات عدة. فهو قد يقول علنا وصراحة، وقد يكتفي بالاشارة، ان "الخريطة تغيرت" ولم يعد الشرق الاوسط كما تعرفونه، بل يفترض ان تودعوا صيغته السابقة، لان ايران استطاعت ان تجعل من آخر دولة محاربة فيه دولة المواجهة الاولى والوحيدة للاستكبار الاميركي والاستعمار الصهيوني.

قد يقول نجاد للعرب، علنا وصراحة، وربما يكتفي بالاشارة، ولن يكون مخطئا على اي حال، انكم رهنتم القضية الفلسطينية عند الولايات المتحدة وقد خذلتكم، وراهنتم على المفاوضات وقد ابلغكم الفلسطينيون انهم يئسوا منها، وتراهنون على ضربة عسكرية لايران او حرب عليها وتشاركون فيها اميركا واسرائيل بشكل او بآخر لكنكم تجازفون بفتح ابواب صراعات داخل بلدانكم وخارجها، فاذا ازفت الساعة ورأت ايران انها مضطرة للتصرف "عليها وعلى اعدائها" فإنها لن تتوانى.

وقد يقول نجاد للبنانيين، علنا وصراحة، او يكتفي بالاشارة، ان "حزب الله" ليس مجرد حزب او فصيل او جماعة مقاتلة وانما غدا قائد الامة التي حاولت طوال ستين عاما قهر العدوان الاسرائيلي وتعسفه لكنها اخفقت، الى ان جاءت الثورة الاسلامية في ايران وغيرت المعادلة، والى ان جاء "حزب الله" وانجز ما عجزت عنه دول المنطقة. ولذلك فان اي وقائع داخلية او اقليمية، واي قواعد سلوك مثل اتفاق الطائف، واي عقبات مثل المحكمة الدولية، او اي اعتبارات اخرى عارضة، لا ينبغي بل لا يمكنها ان تغير مسار هذه المواجهة التاريخية. واستطرادا، من شأن اللبنانيين ان يعرفوا انهم مدعوون، منذ اليوم، الى الاعتراف بان معادلة "س- س" اصبحت واقعيا "س – أ – س"، فاما توافق سوري – ايراني – سعودي على شروط الاستقرار في لبنان، والا فلا استقرار، وليتحمل كل طرف مسؤوليته.

وسواء قال نجاد او لم يقل، تصريحا او تلميحا، فإنه ليس زائرا عاديا لبلد "صديق" وانما لبلد بات حلفاؤه واتباعه فيه فوق الدولة وكل مؤسساتها، وفوق القوانين واعراف التعايش الى حد انهم لا يفوتون فرصة لتأكيد انهم يستطيعون السيطرة على البلد في ظرف ساعات قليلة ومن دون مشاكل، بل الى حد انهم يفصحون علنا عن نيتهم تغيير النظام والانقلاب عليه حتى اصبحوا على اهبة تخيير مواطنيهم بين الرضوخ والرحيل.

هي زيارة لدولة "حزب الله" اذاً، وسيتخللها بعض البروتوكولات لرموز الدولة – الديكور التي لم يقرر الحلفاء بعد التخلص منها، ولا يزال محافظا عليها طالما انها تلعب لعبته ولا تخرج عن اطارها.

ولعل الجميع سمع من المراجع الايرانية ان طهران تدرج زيارة نجاد في اطار "التهدئة"، ولا يمكن تصور اي "تهدئة" تأتي من تلقائها او من فراغ، بل تستلزم حوارا بين اطراف معترفة سلفا بحقوق بعضها بعضا، وحوارا لا تستحضر فيه الصواريخ والاسلحة على الطاولة. سمعنا من السعودية دعوة واضحة وملحة الى الحوار، ولم نسمع دعوة مماثلة من سوريا التي لا تعتبر ولا تعترف بأن اللبنانيين مؤهلون لان يتحاوروا ويتفقوا الا معها وعبرها، والا فلا حوار ولا اتفاق. ولا يمكن المراهنة على الرئيس الايراني كي يدعو الى الحوار فهو لا يحاور معارضيه في بلاده بل يرسل الميليشيات للتنكيل بهم في الشارع او لزجهم في السجون وتنظيم محاكمات لهم لا علاقة لها باي شرع او قضاء حق.

رغم كل شيء، اهلا بالرئيس نجاد ضيفا وزائرا، فخلافاته مع معارضيه تبقى شأنا ايرانيا يستطيع ان يطمئن الى ان اللبنانيين لا يتدخلون فيه. لكنهم منقسمون بطبيعة الحال ازاء "رسائل" زيارته، ما سبقها وما سيعقبها، ومنقسمون حول اداء حلفائه ودورهم في ما يتعدى المقاومة التي يحتكرونها، ومنقسمون حول السعي المتزايد لحبس لبنان في القفص الايراني، وحول فرض شكل من اشكال ولاية الفقيه عليهم، وحول زجهم عنوة ومصادرة بلدهم في استقطاب "الممانعة" التي لا طموح لها ولاقطابها في النهاية سوى ان تحظى بالرضا الاميركي. فاللبنانيون لا يأبهون بان يكون لايران النفوذ الذي تراه او تستطيعه حيثما كان ذلك ممكنا لكنهم متأكدون بان اي قوة خارجية لا يمكنها ان تنعم بهيمنة مستقرة ودائمة على لبنان سواء كانت اميركية او حتى اسرائيلية، سورية او حتى ايرانية.

لكن المشكلة ان نجاد لم يأت ضيفا وزائرا، وانما يأتي محاربا، ويأتي ليقول للعرب والاميركيين والاسرائيليين: ايران اصبحت هنا، في عقر دار العرب، وعلى خط المواجهة الاول مع اسرائيل واميركا، وداخل النسيج السياسي الفلسطيني، كما هي داخل الحكم العراقي. وكما لم يستشر العراقيون، كذلك لم يستشر اللبنانيون ولا الفلسطينيون، فكلما زادت مآسي العرب كلما زادت اوراق النفوذ الايراني، وبالتالي كلما ازداد حلفاء ايران تجبرا وتطرفا.

المهم في ما بعد الزيارة، بل بمعزل عنها، ان يعود حلفاء ايران المحليون الى الرشد، والى الارض بعدما حلقوا عاليا جدا بالتهويلات والتهديدات، وبعدما ذهبوا بعيدا في التلاعب بالحقائق والوقائع. وليبرهنوا للبنانيين ان رسالة نجاد اليهم هي بالفعل رسالة تهدئة وواقعية، على قاعدة التوافق لا على اساس الاخضاع، وعلى قاعدة الاعتراف بالحقائق في ملفات الاغتيال وشهود الزور والمحكمة الدولية لا على اساس التخادع والتضليل والتكشير عن الانياب. اذا لم يحصل اي تغيير ايجابي وعقلاني في اداء حلفاء ايران، فلن يبالغ من يقول ان نجاد جاء لاشعال الضوء الاخضر لافتعال الفتنة الداخلية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل