من الامور المتعارف عليها في لبنان بعد 14 شباط من العام 2005 ان ما يصدر عن قوى الاكثرية لا تأخذ به قوى المعارضة بل ان ما تراه قوى 8 آذار هو غير ما تقبل به قوى 14 آذار، ويكفي القول في هذه المناسبة (…) مناسبة المحكمة الدولية وبند شهود الزور، ان المعارضة السابقة والحالية تنظر الى الموضوعين بمنظار «الرفض الاستباقي لكل ما من شأنه ان يضع حزب الله او اي طرف ثان في قفص الاتهام، مع ما يعنيه ذلك من رفض استباقي للمحكمة جملة وتفصيلاً، كونها مؤهلة لأن تعطي صورة داخلية واقليمية ودولية مغايرة لما يريده الحزب لنفسه، وتجنباً منه لمحاذير اتهامه بأنه «تنظيم سياسي – عسكري مخروق»، وهذا ما اكد رفضه بصورة مطلقة الامين العام للحزب السيد حسن نصر الله في اكثر من مناسبة دينية او سياسية في الآونة الاخيرة حيث اصبحت اطلالته مؤشراً سياسياً وحزبياً في حد ذاته (…)
وبالنسبة الى الاجتهاد القائل ان بند شهود الزور اصبح بمستوى الجرائم السياسية التي حفل بها لبنان في اعقاب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري» اظهر حزب الله تشدداً منقطع النظير مفاده «اما ان تأخذوا بوجهة نظري واما لن تكون محكمة ولا من يحاكمون قبل احالة شهود الزور على المجلس العدلي، ربما لوجود دلالات سياسية قضائية مختلفة، او لأن دراسة وزير العدل ابراهيم نجار قد جاءت لغير مصلحة حزب الله، الامر الذي لم يكن الحزب قادراً على هضمه، كونه يظهر رد الفعل السياسي فوق طاقة الاحتمال، اي اكبر من ان يرى فيه حزب الله «خروجاً على المألوف وعلى المؤثرات على الارض وعلى سمعته»!
وعندما قيل ان الحزب لن يترك مناسبة تحديه من اجانب اي طرف كان تمر بهدوء، حتى ولو صدر التحدي عبر القوانين والانظمة والدستور، فكيف اذا كانت كلمة الفصل قد جاءت عبر الوزير القواتي ابراهيم نجار، من غير حاجة الى التوقف عند علم هذا الانسان ورجاحة عقله ومنطقه المهني، اما قول رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد ان دراسة الوزير نجار لا هي خضراء ولا هي يابسة، فقد جاء بمستوى رد الفعل المنتظر حيث لا بد وان يبقى رداً عالقاً غير مرشح لأن يأخذ به «الخصم والحكم»!
اما وجهة النظر الاخرى التي وضعت البلد امام خيار تحويل ملف شهود الزور الى محاكمة بديلة للمحكمة الدولية، فإنها لن تمر كونها مجافية للواقع وللحقيقة في آن، بعدما تبين ان لا مجال لاعادة ملفات الاغتيال الى المجلس العدلي.
وهذا بدوره مجال سياسي بحت يمكن ان يؤدي تلقائياً الى صرف النظر عن ملفات الاغتيال مقابل صرف النظر عن شهود الزور. وهذه المقايضة سبق التلويح بها في اكثر من مناسبة سياسية في المرحلة الاخيرة، بدليل الاستعداد لوضع مجلس الوزراء والبلد ككل امام الخيارات الصعبة وتعليق عمل الحكومة او استقالة وزراء المعارضة، فيما تأكد لمن يعنيهم الامر ان البدائل قد تكون من الصنف الانقلابي الذي كان تذكير بوجود قدرة على تنفيذه بنجاح قياساً على تجارب سابقة!
صحيح، قول البعض في هذه الآونة الداخلية الصعبة ان «عمر ازماتنا الداخلية قرون وليس سنوات»، لكن الصحيح ايضاً ان اصرار البعض على البقاء في دوامه اثبات الوجود لما فيه مصلحة سياسية وشخصية لا يشجع على الخروج من النفق مهما تعددت الاسماء والمعطيات» خصوصاً ان طريقة تركيب البيان الحكومي تشجع على انهيار السلطة التنفيذية عندما تدعو حاجة البعض الى ذلك، وهناك من يجزم بأن رئيس الجمهورية ميشال سليمان عانى الامرين في الساعات القليلة الماضية ليتجنب انفجار الحكومة من الداخل خصوصاً ان ما سمعه من رئيس مجلس النواب نبيه بري لم ينسجم مع الرأي القائل ان الوصول بموضوع المحكمة الدولية الى حد رفضها بالتزامن مع الاصرار على ربطها بآلية ملف شهود الزور، يعني تحديد موعد مبدئي للإنقلاب على المحكمة الدولية ولو من خلال تسميات مختلفة من بينها «الفتنة المذهبية» وما الى ذلك من تسميات!
وما يثير التساؤل ايضاً، اصرار الجميع على القول ان المستفيد من التعقيدات الداخلية هي اسرائيل، فيما لا يبدو احد في وارد تفويت هذه الفرصة والعودة بالامور الى بيت الطاعة اللبناني، ربما لأن ظروف البعض مخطط لها مسبقاً لأن تصل الى الانقلاب على الدولة مهما اختلفت التطورات او التصورات والمتطورات طالما ان المقصود منذ بداية الازمة صرف النظر عما تسبب به الشهداء لأنفسهم؟!