على "المتابع" لما جرى خلال الأيام الأخيرة وكل الغبار الذي أثير حول زيارة الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للبنان بدعوة رئاسية، أن يملك الشجاعة والجرأة الأدبية لنقد الذات – وبصرف النظر عن مآخذنا على سياسات الرئيس أحمدي نجاد على مستوى العالم أو على مستوى المشهد الداخلي الإيراني – فإن ما حملته الأيام الماضية من "مبالغات" في التوجّس والهواجس، كان لبنان بغنى عنها، فالتشنّج الداخلي يكفي اللبنانيين، إضافة إلى أن محاولات البعض التقليل من شأن هذه الزيارة بسحب صفة "التاريخية" عنها لا يلغي كونها بالفعل زيارة على قدر كبير من الأهمية، فالضيف الزائر يأتي من دولة تتمتّع بعراقة حضارة عمرها آلاف السنين، وحتى لا نظلم البعض الذي كان واضحاً في توجسه ومخاوفه فوجه اعتراضنا على هذا البعض أنه أعطى فرصة لـ"منافقين ودجالين" كثر في السياسة اللبنانية أن يزايدوا في المواقف عليهم إلى حد مقزّز!!
لحظة تطأ قدما الرئيس الإيراني أحمدي نجاد أرض مطار رفيق الحريري الدولي، على اللبنانيين جميعاً أن يَعوا أن الرئيس الإيراني هو ضيف لبنان "كله"، وأن زيارته جاءت تلبية لدعوة من رئيس البلاد، وبدلاً من تضييع الوقت في المناكفة و"المناقرة" وكيل "التحفظات" أو التحفز لـ "تصيّد الكلمة" للضيف، ربما أجدى بكثير من المنتقدين أن يفكروا في كيفية تظهير التكافؤ في هذه الزيارة بين الدولتين، والبحث عن سبل تطوير العلاقة المشتركة، بدلاً من محاولات تصويرها على أنها تستفز قسماً من اللبنانيين له ملاحظاته وانتقاده الحاد للسياسة الإيرانية في لبنان وعلاقتها بحزب الله – ونحن منهم – ولكن لا يعني التحفّظ على سياسة دولة ما، أن يحاول البعض خلق حال من التشنّج في مواجهة دولة وشعب، تصنّف وتوصّف الدولة اللبنانية العلاقة بهما بـ"الصداقة".
عملياً؛ وحتى الساعة لا أفهم بعض المحاولات لتصوير احتفاء حزب الله بالرئيس الإيراني وكأنها من خارج السياق أو إظهار تبعية الدويلة ، فقد سبق واحتفى لبنانيّون كثر برؤساء كثر زاروا لبنان، هناك من ينسى أن لبنان هو وطن التعدد والتنوع والعيش المشترك و"الرسالة"، وهذا الاحتفاء واحد من تجليات صور تعدديته التي ندّعي ليل نهار إيماننا وتمسكنا بها، ولماذا يحاول البعض أن يتجاهل خصوصية العلاقة بين قسم كبير من "إخواننا اللبنانيين" أبناء الطائفة الشيعية الكريمة وبين إيران بصفتها الدولة الوحيدة في العالم الإسلامي التي تمثّل مرجعية للمذهب الإمامي الإثني عشري.
علينا الاعتراف بخصوصية علاقة حزب الله بإيران، وبخصوصية التعبير عن الاحتفاء بالضيف الزائر، وأين المشكلة في أن يتم التعبير شعبياً عن حرارة استقبال الضيف، قد يكون من المناسب القول اليوم: الرئيس أحمدي نجاد، زائر صديق، وهو ضيف لبنان ورئيسه، ويحق لجمهور هو شريحة كبيرة من الشعب اللبناني أن تستقبل رئيس دولة تربطهم بها وشائج دينية وعقائدية لكبار علماء جبل عامل اللبناني الدور والباع والذراع في التمهيد والتوطئة لها، "يا جماعة" "نظرية ولاية الفقيه" صاحبها لبناني من جبل عامل، وقد وطّد لنظريته أيام الدولة الصفوية قبل قرون عدة، ويمثل تاريخ هذه الدولة في إيران منعطفاً خطيراً في تاريخها، فبقيامها اتخذت إيران المذهب الشيعي الإثنا عشري مذهباً رسمياً، وكان لهذا التحول آثاره البعيدة في تاريخ إيران خصوصاً وتاريخ العالم الإسلامي عامة.
ولا يتجرأ لبناني عاقل على إغفال ستينات القرن الماضي تحديداً في العام 1960 وبروز سماحة الإمام موسى الصدر الذي كان نجم لبنان بلا منازع في حواراته مع الطوائف الأخرى، الإمام الذي آمن بالكيان اللبناني وخصوصيته، ولا يستطيع عاقل أن يُنكر الإجحاف الذي لحق طويلاً بأبناء الطائفة الشيعية منذ استقلال لبنان بفعل إهمال الدولة اللبنانية للإنماء المتوازن وتواطؤ الإقطاع عليها…
أما القلقون من تصريحات الرئيس الإيراني، فـ"يا جماعة الخير" منبر الأمم المتحدة في نيويورك لم يكم فم الرئيس الإيراني ولا حاول ذلك، فليقل ما يريد قوله، فالتخوف مما قد يقوله قلّة ثقة منا بالرئاسة الأولى وفخامة الرئيس وهو عنده من الحكمة والقدرة على احتواء أي موقف قد يرتب أي تبعة على لبنان، ثم إن إسرائيل تهددنا يومياً بتدمير لبنان وبنيته التحتية ومن دون جميلة زيارة أحمدي نجاد…
"أفهم"أن حرية الرأي، هي في قول كلمة حق ولو على أنفسنا، فليكن الترحيب مشتركاً حتى لا يُثير حفيظة شريحة من مكونات النسيج الوطني اللبناني، ونتوقع ونتمنّى من كل سياسيي لبنان أن يكونوا سنداً لرئيس البلاد في هذه الزيارة وفي استقبال الزائر الضيف مرحبين به بـ"خوش آمديد" في لبنان الوطن والرسالة والدولة…