لم يعد هناك مجال للشك، بأن فريق 8 آذار، او المعارضة السابقة والحالية واللاحقة، لا يهمّها ما يمكن ان يلحق بالناس والدولة والوطن من اذى، بسبب مواقفها المسنونة المسمومة، المرتكزة في شكل اساسي على اعتماد قصف اعلامي وسياسي وامني، يتولاّه فريق «طويل عريض» ممن تدرّبوا على يد خبراء في الاعلام والشائعات، وفبركة الاخبار، واذا كان الاتحاد السوفياتي معروفاً في ما مضى بأنه أب نظرية «المحدلة العسكرية» التي تقوم على اطلاق مجموعات كثيفة من القنابل والصواريخ قبل الهجوم البرّي، فان هذا الفريق «الطويل العريض» الذي جنّدته معارضة كل الفصول، هو أب نظرية «المحدلة الدعائية» التي نشهد معاركها اليوم على مساحة الوطن كلّه، وهي تصبّ «حممها» دون انقطاع على خصومها السياسيين، الذين اصبحوا شركاء معها في الحكم، بعدما اقفلت الشوارع والساحات، واحرقت الطرق والدواليب، وعطّلت مرافق الدولة بأكملها، ليدخلوا شركاء مضاربين في حكومة توافق وطني، مع فريق حصل على اكثريته النيابية بعرق جبينه وبتأييد غالبية الشعب اللبناني، وفي حساب اصحاب هذه «المحدلة» ان كثافة الملفات المفتوحة في وجه خصومهم، والاعتماد على رفع الصوت، والتهديد والتهويل والتخويف، من شأنها ان تضعف قوى 14 آذار، وتجعلها تحت وطأة القصف، تقدم التنازل تلو الاخر، حتى تتم تعريتهم في نهاية المطاف، حتى من ورقة التين، وكما يحدث في المعارك العسكرية، يحدث ايضاً في المعارك السياسية، بحيث تشتد المقاومة كلما اشتد القصف، ولما كانت مقاومة 14 آذار تتجدد مع كل «فتحة ملف» وتقوى، كانت القوى المناهضة تسارع الى فتح ملف جديد مدعّم بأنماط جديدة من الشائعات والاتهامات ووسائل الترهيب.
الموسم اليوم في دولة 8 آذار، هو ملف الشهود الزور، وهذا الملف على ما اعلن اللواء جميل السيد، يتمسّك به حزب الله لحماية نفسه من المحكمة الدولية والتحقيق الدولي، وهذا يعني بالتفسير، ان شهود الزور، آخر همّ اليوم عند حزب الله، فهم ليسوا سوى منصّة لتعطيل المحكمة الدولية، والمحزن والمؤسف والمثير للغضب، ان الشهداء الذين حصدتهم آلة القتل الجهنمية، بمن فيهم عشرات المواطنين الابرياء، واولئك الذين كتبت لهم العناية الالهية عمراً جديداً معجوناً بالعذاب والالام والاوجاع، لم يعودوا فعلاً حاضراً، بل اسدل ملف الشهود الزور، على قضيتهم المقدسة ستاراً سميكاً من التعمية والنسيان، بقصد الا تبقى حيّة في ذاكرة اللبنانيين واهتماماتهم، بل حتى ان بعضهم تطارده مذكرات التوقيف الانتقامية.
* * * * * *
كل مواطن واعٍ يتابع مسرحية الشهود الزور، يلمس انه مع كل باب تفتحه 14 اذار لانقاذ البلاد من شر الفتنة، تدخل منه المعارضة، ليس للوصول الى تسوية او حل بعد حوار جاد، بل لاجبار 14 آذار على فتح باب جديد يقرّبها من تحقيق الخطة التي وضعتها لشلّ المحكمة الدولية، الباب الجديد الذي تضربه قوى 8 آذار بكامل قوتها الآن، هو باب المجلس العدلي، وهذا الباب لم يكن بالتداول في اي مرحلة من المراحل، بل فتحه امامهم وزير العدل ابراهيم النجار، عندما قال بأن القضاء اللبناني مكان صالح للنظر في ما يسمّى الشهود الزور، ولذلك فان الكلمة السحرية لمنظّري المحدلة الدعائية هي الآن المجلس العدلي، لأن الاحالة الى المجلس العدلي، لو تمّت، على الرغم من المنطق والقانون، فهذا يعني ان ابواباً كثيرة ستفتح في وجه 8 اذار، الباب الاول، ابعاد مدعي عام التمييز سعيد ميرزا، والقضاة الآخرين الذين طاولتهم مذكرات التوقيف السورية، الباب الثاني، توقيف اللواء اشرف ريفي مدير عام قوى الامن الداخلي، والعقيد وسام الحسن رئيس فرع المعلومات، وكل من قد يخطر على بال من لا يريد لهذا البلد ان يستقر.
كيف يمكن لدولة عجزت عن اصدار كتاب يقرأ فيه طلاب لبنان جميعهم تاريخ بلادهم، ان تدفع، من خلال مجلس نيابي اكثريته من 14 آذار ورئيسه من 8 آذار، وحكومة مقسّمة ثلاثة اقسام غير متساوية تأميناً لتوازن هش هجين، قيادات هذا البلد الى القراءة في كتاب واحد عنوانه: الحرية والوطن والانسان اثمن رأسمال في العالم، او كيف يمكن ان نصهر جميع القيادات في الشعار الذي انشئ عليه. جيش لبنان: شرف – تضحية وفاء. بمعنى ان نمارس السياسة بشرف، ونضحي في سبيل لبنان، ونكون اوفياء للشعب وللقيم.
شبع الناس خوفاً وقلقاً، وهم الجائعون الى لقمة الخبز.
وشبعوا «مراجل وبهورات» وهم التواقون الى العيش بهدوء وراحة البال.
وشبعوا محاولات مصادرة حرياتهم وكتم انفاسهم، وهم المتمسّكون بالكرامة والحرية.
وهم اخيراً، شبعوا من معزوفة الشهود الزور وينتظرون ان يسمعوا بفارغ صبر حكم المحكمة الدولية ليعرفوا من قتل قياداتهم وابناءهم واحباءهم.
سبق وقلنا ان الضغط يوّلد الانفجار، ويبدو ان ضغط 8 آذار المتواصل، ولّد انفجاراً من نوع آخر لدى 14 آذار، حيث شمّرت عن زنودها وشدّت عصبها، واستعادت المبادرة، ليس بهدف المواجهة، بل بهدف افهام الشريك في الوطن انه يحيد عن طريق الصواب والصورة كانت واضحة في المؤتمر الصحافي للدكتور سمير جعجع، ولكلام الدكتور احمد فتفت في «اخبار المستقبل»وفي مؤتمر النائب عقاب صقر الصحافي، وفي موقف منسّق الامانة العامة لـ14 آذار الدكتور فارس سعيد، دون ان نغفل صلابة موقف رئيس الحكومة سعد الحريري.