اعداد: المركز اللبناني للمعلومات – لبنان: لم يعد يشكل التيار العوني طرفا منافسا لـ"القوات اللبنانية" داخل البيئة المسيحية، وهذا الاعتقاد مرده إلى إخراج عون نفسه من "حلبة المنافسة" التي تنافس عليها المسيحيون تاريخيا، إذ لم يكن الخلاف يوما داخل البيئة المسيحية حول خيارات وطنية أساسية، إلا لدى قلة منهم لم يكن لديها أي وزن أو تأثير، وبالتالي بعد التحول الذي قام به عون في تحالفه مع "حزب الله" وتبني كل منظومته الفكرية والايديولوجية من التمسك بالسلاح الميليشياوي إلى اعتبار ان الغرب عدو للبنان، نشأ داخل الوسط المسيحي صراع بين خيارين: الخيار المسيحي التاريخي الذي لا يرى مستقبلا للمسيحيين خارج الشرعيات المحلية والعربية والدولية، وخارج ثقافة الاعتدال ومبدأ التسوية السياسية على أساس خيارات دولتية. والخيار الأقلوي المسيحي الذي أعطاه عون بعدا شعبيا والقائم على مبدأ الخوف من الآخر وعجز المسيحيين عن حماية وجودهم بمعزل عن التحالف مع سوريا أو "حزب الله"، هذا التحالف الذي يتخلون عبره عن السيادة اللبنانية.
فالخيار الأقلوي مهما راكم من شعبية يبقى خيارا أقلويا، لأنه ناتج عن ظروف استثنائية وغير طبيعية أولا، وكونه لا ينسجم مع تطلعات الجماعة المسيحية والمواطن المسيحي في آن ثانيا، هذه الجماعة القائمة كل فلسفتها على مبدأ الحرية والتي لا يمكن لها أن تعيش مقيدة في حريتها ومسيّرة في خياراتها انطلاقا من حسابات الدولة أو الفئة الوصية عليها، وهذا المواطن المسيحي الذي يريد العيش في دولة طبيعية ووطن لا يكون ساحة دائمة للحرب ومسرحا لها. ومن هنا، فإن خيار عون ليس فقط خيارا غير شعبي، إنما هو خيار انتحاري ويؤدي مع الوقت إلى زوال الجماعة المسيحية عن هذه البقعة من الأرض.
فالصراع بين عون و"القوات" إذا هو صراع بين خيارين سياسيين متناقضيين، وقد جاءت الانتخابات النيابية في العام 2009 لتظهر لعون أن الشعبية التي حصدها في الانتخابات التي سبقتها بدأت بالتآكل التدريجي لجملة أسباب أبرزها سياسي لجهة أن خياره لا ينسجم مع الشريحة المسيحية المستقلة وغير المحزبة والمنحازة باستمرار إلى خيار الدولة والاستقرار، وأهمها تنظيمي لناحية تراجعه عن وعوده ببناء حزب حديث وديمقراطي وعابر للطوائف يشكل سابقة في الحياة السياسية اللبنانية. وهذا بالإضافة إلى أن الرأي العام المسيحي المستقل لا يستسيغ سياسة "الأرض المحروقة" التي يمارسها عون بسعيه إلى شطب أو ترويض كل من ليس معه، وأكبر دليل عداوته مع البطريرك الماروني ورئيس الجمهورية والأحزاب المسيحية والشخصيات السياسية المستقلة التي لا تدور في فلكه، خصوصا أن هذه السياسة مناقضة ومخالفة لطبيعة البيئة المسيحية السياسية المعروفة تاريخيا بتنوعها وتعددها.
فهذا التراجع في الشعبية العونية مرشح للاستمرار، وهو لن يتوقف إلا عند حدود القاعدة العونية الصلبة، هذه القاعدة التي تتآكل بدورها من الداخل بفعل تغليب المحازبين المصلحة الشخصية على المصلحة الوطنية اقتداءً برئيسهم الذي يكيف سياساته وفق مصالحه. ولعل إدراك عون لواقع وحقيقة أن المزاج المسيحي لم يتقبل تحالفه مع "حزب الله" دفعه إلى التفكير بخيارات انقلابية للوصول إلى السلطة، لأن صندوقة الاقتراع لن تمنحه الفرصة، وهو أكبر مبدد للفرص على حساب الناس ومصالحهم وحياتهم، لتحقيق أهدافه المحض سلطوية.
وهذا ما يفسر ترحيبه بأحداث 7 أيار رافعا عبارته الشهيرة "لقد أعدنا التران إلى السكة" مطمئناً الناس إلى طبيعة الحكم الانقلابي الآتي. وهذا ما يفسر أيضا السيناريو الأمني الذي نشرته صحيفة "السفير"، ولم يتنصل منه، والذي حاول عبره إقناع السيد حسن نصرالله، وهو لا يحتاج إلى من يقنعه أصلا، بضرورة وضع يده على البلد عسكريا قبل فوات الآوان، لأن "معلوماته" تشير إلى وجود توجه دولي لضرب "حزب الله" في ظل وجود بيئات لبنانية حاضنة لهذا التوجه ولا سيما مسيحية قاصدا "القوات اللبنانية"، وبالتالي ما عليه سوى الالتفاف على هذا المخطط بضربة استباقية. وهذا ما يفسر أخيرا تحريض "حزب الله"، وهو لا يحتاج إلى تحريض، على القيام بعمل عسكري يستهدف المناطق المسيحية ردا على القرار الظني الذي يحكى بأنه سيتهم عناصر من "حزب الله" باغتيال الحريري.
فعندما أيقن عون أن خياره السياسي غير شعبي مسيحيا، وأن أخصامه على الساحة المسيحية وفي طليعتهم "القوات اللبنانية" يراكمون شعبيا بشكل تدريجي وثابت، بينما هو يتراجع بشكل تدريجي وثابت، راح يتوسل سيناريوات عسكرية للتخلص من أخصامه المسيحيين بواسطة ميليشيا "حزب الله"، لأن لا مستقبل له ولتياره في ظل قواعد اللعبة السياسية الراهنة، ولا أفق لمظلة "مسيحية- وطنية" لـ"حزب الله" في ظل الانهيار المتمادي في الحالة العونية.
ولكن ما لا يدركه عون أن أي مغامرة عسكرية يقدم عليها "حزب الله" ستساهم في تسريع نهاية الحزب واستطرادا التيار العوني الذي لا تأثير له بمعزل عن "حزب الله"، وأما السبب في ذلك فعائد لكون الأمور ليست سائبة كما يعتقد بعضهم أو يتوهم.