حتى إشعار آخر؟

الحركة الإقليمية النشطة المحيطة بلبنان هذه الأيام لا تُبشر كثيراً بالاطمئنان والهدوء. لكنها في الوقت نفسه تؤشر الى ربط يجب أن تكون خواتيمه في صالح ذلك الهدوء العزيز والمؤثر في بلدنا والمحيط.. حتى إشعار آخر.

مفارقة واضحة. تدل عموماً الى أن "الحياة اللبنانية" لا تزال على نسقها الذي قام منذ اليوم الأول لقيام الحرب في 13 نيسان من العام 1957، بحيث إن النظرية المألوفة الآتية من أيام النزاع البارد (المرحوم) كانت تفيد أن الحروب الأهلية في أي بلد عمرها قصير جداً، فهي تستمر ليوم واحد فقط. أما بعد ذلك، أي اعتباراً من يومها الثاني حتى أفولها وخمودها، فإنها تصبح حرباً إقليمية دولية ليس إلا.

كان لذلك البعد الخارجي، في تجربتنا، حسناته وسيئاته، وتلك في الإجمال حقائق معروفة، وإن كانت موضع جدل تبعاً للهوية السياسية للمُجادل والمُحاجج.. حقائق واضحة وأرشيفية وتاريخية، ولا داعي يدعو الى الدقّ عليها مرة جديدة. ما يهمنا هو الإشارة الى بعض تلك الحسنات الحاضرات منها في الأزمة الكبرى الفالتة راهناً نحو المزيد من التأزّم والأذى.

وفي ذلك مدعاة لأسى مزدوج. أولاً لأننا اعتدنا على ضمور دور السلطة الوطنية الجامعة وبالتالي "حتمية" التطلع الى الخارج (وهذا بحث آخر تدخل فيه السياسة بالأمن والجغرافيا وعلم النفس على حد سواء)، وثانياً، لأن ذلك الخارج حالياً على ما يقول كثيرون (والله أعلم) هو الذي يكبح جماح الطرف المسلّح عندنا ويمنعه من تنفيذ "كل" تهديداته بحق الأغيار من اللبنانيين الذين يستحقون في عُرفه كل عقاب ممكن، ومع مفعول رجعي أكيد!

قصة ليست هينة، أعزائي المشاهدين القلقين، أن تصل الأمور المحلية عندنا الى ذلك الحد الفاقع في صلفه: طرف مُدجّج بكل شيء، إلا بقوة الحجّة والمنطق، يريد تصفية الحساب مع كل المرحلة السابقة وعلى طريقته، والدخول في حرب إلغاء لكل ما سُجّل في السنوات التي تلت جريمة 14 شباط 2005 في السياسة والأمن والتشريع والوظائف الرسمية على تنوّعها وتعدّدها وخطورتها ودستوريتها. ولا يخفي المرام ولا يموّه. والشعار الدارج عنده هو الحرب الاستباقية، أي الحرب على "حرب" آتية ستشنّها جيوش العدالة الدولية الجرّارة المسنودة بقوس محكمة، وأرواب سوداء مألوفة جداً في بيوت العدل ومدارس الحقوق وفي الجامعات والصروح التعليمية في الإجمال!

.. والتمويه يستيقظ عندما تغفو الحجّة.
… في 7 أيار اختُرِعَت مناسبة ملتبسة ومُتراجع عنها وأُخذت كحجّة للانقضاض على كل شيء. اليوم القصة مختلفة من عنوانها. لا حُجّة مسنودة ولا أخرى مفتعلة ولا من يحزنون. وفي ذلك معضلة أكيدة وواضحة، لكن لا بأس بالموجود الموعود: القرار الإتهامي صناعة أميركية إسرائيلية ورواد تلك الصناعة موجودون عندنا. عليهم..؟!

الغريب العجيب، بل الفظيع الشنيع، هو أن رسائل أهل الإلغاء عن نيّاتهم لا تحمل إلا القواطع والنوازل والوعود التدميرية، من دون أي حرج ومن دون أي حساب لهذه الدنيا الدوّارة. والأغرب الأعجب، الأكثر فظاعة وشناعة، هو أن بعضهم لا يخجل من القول "إن لا ضوء أخر إقليمياً للذهاب في ما نريد الى الآخر"!

لذلك يا إخوان، بانت حسنات ذلك الحراك الخارجي المحيط بلبنان راهناً، رغم توتره وانقساماته: التأزيم الإقليمي لا يجب أن يعني (كالعادة) حرباً في لبنان.. قد يعني أشياء كثيرة دون ذلك السقف لكن "المنازلة الشاملة" ممنوعة حتى إشعار آخر… هكذا يُقال والله أعلم!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل