#dfp #adsense

محور المقاومة والصمود

حجم الخط

قبل وصوله إلى لبنان، وصف الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لبنان بأنه "محور هام للمقاومة والصمود"، وبعد وصوله لفت إلى أن لهذا البلد "دوراً هاماً في المعادلات والسلام والإستقرار على صعيد المنطقة"، لكن التباين في تفسير هذه المواقف، قبولاً أو رفضاً، لا يلغي أن الآمال كبيرة بأن تفتح الزيارة آفاقاً من التعاون بين البلدين، والإسهام الإيجابي في سحب فتائل التفجير من خلال لعب دور مطلوب في تعزيز وحدة اللبنانيين على قاعدة الصداقة والاحترام والمصالح المشتركة، لا الانحياز لطرف دون آخر.

والواقع أن ليس ثمة من يجادل في حقيقة أن تعثر المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية المباشرة شكّل انتصاراً سياسياً وإعلامياً لأصحاب منطق الممانعة والصمود، ليس في وجه التسوية فحسب بل في مواجهة المشروع الأميركي والإسرائيلي، وهم أصلاً لم يكونوا في وارد انتظار نجاحها أو فشلها، بل تحركوا لتعكير أجوائها وفرض شروطهم على التفاوض أو عدمه، فيما الواقع العربي يشير إلى استمرار مأزق الاختلاف على الأولويات والقضايا الرئيسية الذي يلامس أحياناً درجة الانقسام، ويعكس حالة القلق والارتباك تجاه أزمات الداخل العربي من جهة، والتدخلات الايرانية وغير الإيرانية من جهة ثانية، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي والانحياز الدولي إلى جانب الاحتلال قبل كل ذلك وبعده.

قبل نحو أسبوعين وخلال زيارة الرئيس السوري بشار الأسد لطهران أعلن الرئيسان الإيراني والسوري عن قيام أو استمرار جبهة المواجهة والمقاومة، باعتبار أن التفاوُض قد فشل، وهو على أي حال لا يبشر بحلٍّ عادلٍ يؤدي إلى إحقاق الحق للشعب الفلسطيني، والجلاء الاسرائيلي عن الأرض العربية، واليوم يزور الرئيس نجاد لبنان والحملات الترهيبة والاستيلائية ماضية بلا هوادة تحت عناوين مواجهة المحكمة الدولية وقرارها الاتهامي المنتظر، وتهيئة الأجواء لإحداث انقلاب سياسي، يؤثر على المحكمة، ويزعزع الحكومة ومعها الاستقرار، بحيث يكون هذا البلد جاهزاً لدوره في جبهة "المقاومة والصمود"، ما يعني أن لبنان عاد بالفعل ساحة اشتباك في المنطقة، من خلال دخوله طرفاً في جبهة المقاومة ضدّ جبهة التفاوض.

الملفت، أن هذه المواقف تتزامن مع تزايد حركة الموفدين الدوليين في أكثر من اتجاه في المنطقة، وفي لحظة بروز توافق أو تقاطع مصالح إقليمي – دولي توشك أو توصل رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته نوري المالكي (الذي تدعمه إيران) إلى كرسي الحكم مجدداً؟

والذي يبدو حتى الآن، أن العروض والأفكار التي حملها المبعوث الأميركي الخاص جورج ميتشل بداية، ثم من بعده مساعده فريدرك هوف ما لاقت قبولاً، ليس بسبب فشل تجربة المفاوضات، بل بسبب عدم الثقة بالوعود الأميركية التي لم تستطع إلزام الحكومة الإسرائيلية باحترام وقف الاستيطان، لكن في الحسابات الإيرانية، ليس من المنطق أن يجري التفاوض المباشر بجوار دول محور الممانعة، وهم معزولون عنه، فيما طهران تواجه عقوبات دولية تزداد تأثيراتها وتداعياتها السلبية تباعاً، وليس من المقبول إغراء سوريا باستعادة أرض بالتفاوض لفك تحالفها مع إيران، مع ما يحمله هكذا عرض من أضرار استراتيجية في أكثر من منطقة نفوذ في إيران ولبنان وغزة.

ما نشهده في هذه الفترة، ليس استعداداً إيرانياً سورياً لشن حرب، بل تمتين التحالف، ووضع أذرعهما وحلفائهما في جبهة للمواجهة، ولعل هذا الأمر هو الأثر الأهم الذي قد ينجم عن زيارة نجاد إلى لبنان تحسباً للمرحلة المقبلة بكل احتمالاتها.

خلاصة المسألة، أن التسوية ومعها المنطقة عموماً تمرّ في لحظة حرجة، سواء على المستوى الفلسطيني الإسرائيلي، أو على المستوى الإقليمي والدولي، هي لحظة اللاحرب واللاسلم، خصوصاً وأن هناك العديد من الأطراف من الجانبين، أو المحورين، لا يريدون لها أن تستمر وهم يواصلون العمل لإفشال التفاوض ما داموا غير مستفيدين مما يجري، وهم في سبيل ذلك لا يمانعون من استخدام أي ساحة أو ارتهانها تحت عناوين الضغط لتعزيز أوراق التفاوض أو تحسين شروطه ومكاسبه، وهكذا يبرز اللقاء موضوعياً على هدف رفض التفاوض أو عرقلته.

وهكذا أيضاً تجتمع في لبنان عناصر توتر عديدة، محلية وإقليمية، منها ما هو متصل بالمفاوضات المباشرة وآفاق التسوية وحسابات الأطراف وغياب الاهتمام العربي والدولي الجاد، وما هو متصل بالعقوبات الدولية على إيران، ومنها ما هو متصل بالهجمة على المحكمة والعناوين المتفرعة عنها، والتي تأخذ في طريقها الاستقرار وتضغط على الاقتصاد وتخطف الدولة والمؤسسات.

وطالما بقي لبنان متروكاً عربياً ودولياً فإن استقراره سيبقى مطروحاً في بازار المزايدات والحسابات والتفاهمات وتقاطعات المصالح والمكاسب للأطراف الإقليمية والدولية، وكل ذلك يستدعي سعياً ضرورياً وجهوداً مشتركة لصون استقراره، وتخفيف التوتر الداخلي فيه، وحثّ الأطراف على التبصر في احتمالات الحرب والسلم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل