أعلن بطريرك انطاكيا وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام ان مداخلات آباء مجمع اساقفة الشرق الاوسط ركزت على ان الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني يهدد الوجود المسيحي في الشرق الاوسط. ونقلت وكالة الانباء الايطالية "آكي" عن لحام في مداخلة له الأربعاء في اطار اعمال مجمع الاساقفة الخاص بالشرق الاوسط، الذي يستضيفه الفاتيكان من 10 تشرين الاول الجاري الى 24 منه، ان "الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني، باعتباره تهديدا للوجود المسيحي في الشرق الاوسط، كان واحدا من الموضوعات المتكررة في مداخلات آباء مجمع اساقفة الشرق الاوسط".
ورأى البطريرك لحام ان "الوجود المسيحي في العالم العربي مهدد بسلسلة من الحروب والنزاعات التي وقعت في المنطقة ولا سيما منها الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني الذي ولّد حركتي "حماس" و"حزب الله" الاصوليتين، فضلا عن النزاعات الخارجية وبطء التنمية وزيادة الكراهية وهجرة المسيحيين بشكل خاص، والتي ستجعل من المجتمع العربي مجتمعا من لون واحد فقط، مسلم كليا يقابل مجتمعا اوروبيا يدعى مسيحيا". واضاف: "اذا فرغ الشرق من مسيحييه، فهذا يعني ان كل مناسبة ستكون مؤاتية لصدام جديد بين حضارات وثقافات بل وديانات ومواجهة مدمرة بين الشرق العربي المسلم والغرب المسيحي".
واشار البطريرك لحام الى ان "دور المسيحيين يكمن في اشاعة جو من الثقة بين الغرب والعالم الاسلامي للعمل على اقامة شرق اوسط جديد خال من الحروب"، لافتاً الى ان "لاقناع المسيحيين بالبقاء، من الضروري تعريف اخواننا المسلمين بمخاوفنا من التعريب، والقوانين التي تجعل الاسلام مصدرا وحيدا او رئيسا للتشريع، والاحزاب الاصولية، والاصولية الاسلامية التي تنسب اليها اعمال ارهاب وقتل وابتزاز باسم الدين، والتي تستمد قوتها من كونها غالبية".
وكان لحام القى في اليوم الثاني من الجمعية الخاصة لسينودس الاساقفة من اجل الشرق الاوسط مداخلة تحت عنوان "السلام والعيش المشترك والحضور المسيحي في المشرق العربي".
هذا، وتخوف عضو لجنة الحوار الاسلامي – المسيحي محمد السماك "على مستقبل مسلمي الشرق من هجرة مسيحييه"، مشيراً إلى ان "المحافظة على الحضور المسيحي واجب اسلامي عام بقدر ما هو واجب مسيحي عام".
وألقى كلمة أمام سينودس الشرق الأوسط برئاسة البابا بينيديكتوس السادس عشر وفي حضور اساقفة الشرق والكرادلة واركان الفاتيكان، قال فيها: "إنني أنا المسلم أقدّر عالياً اهتمام الفاتيكان بقضايا المسيحيين عموماً، واهتمامه خصوصاً بقضية مسيحيي الشرق مهد المسيحية ومنطلقها الأول. وفي الوقت نفسه آمل ان تؤدي مبادرة خادم الحرمين الشريفين ملك المملكة العربية السعودية عبد الله بن عبد العزيز للحوار بين الاديان والثقافات الى ترجمة الاهتمام العربي والاسلامي بهذه القضية بكل ابعادها الوطنية والدينية والانسانية، لتتكامل المبادرتان الفاتيكانية والاسلامية في معالجة قضية مسيحيي الشرق باعتبارها قضية اسلامية مسيحية واحدة ".
ورأى السماك ان "ما يدعو الى الأسف الشديد انه بعد جريمة 11 ايلول 2001، انطلقت حملة ظالمة للتخويف من الاسلام، ووصلت الى الشرق أيضاً، فتسلل الخوف الى بعض المسيحيين واستثار القلق في بعض المسلمين، فتكامل ردا الفعل في توسيع أبواب الهجرة التي يرفضونها جميعاً"، مذكراً بأن عاش المسلمون والمسيحيون في الشرق بمحبة وسلام وازدهار جيلاً بعد جيل منذ 1400 سنة. وأضاف: "لن يكون الشرق شرقاً من دون هذا العيش المشترك الذي أرسى قواعده الأولى النبي محمد صلى الله عليه وسلم في عهده الى نصارى نجران."
وتابع السماك: "صحيح ان صعوبات اعترت هذا العيش في فترات استثنائية كما اشارت الى ذلك وثيقة الارشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان"، إلا ان المسلمين والمسيحيين كانوا دائماً يتغلبون عليها. ولا شك في أن الشرق، بمسيحييه ومسلميه، سيكون في وضع أفضـــل كثيراً لو ان القوى الخارجية ترفع عنه يدها التي تعيث فيــــه فساداً وإفساداً."
وأشار السماك إلى هناك سلبيتان تطرحان المشكلة التي يواجهها مسيحيو الشرق: سلبية عدم احترام حقوق المواطنة في المساواة الكاملة أمام القانون في بعض الدول. وسلبية عدم فهم روح التعاليم الاسلامية الخاصة بالعلاقة مع المسيحيين الذين وصفهم القرآن الكريم بأنهم "أقرب مودة للذين آمنوا"، والذي برّر هذه المودة بقوله "ذلك ان منهم قسيسين ورهباناً وانهم لا يستكبرون". وأوضح ان والسلبيتين بكل ما تحملانه من مضامين فكرية وسياسية سلبية، وبكل ما تفرزانه من مواقف عقدية واجرائية، وما تتسببان به من أعمال مقلقة ومسيئة، تلحقان الأذى بنا جميعاً، مسيحيين ومسلمين، وتسيئان الينا جميعاً في حياتنا المشتركة وفي مصيرنا الواحد. ولذلك فإننا مدعوون الى العمل معاً من أجل تحويل السلبيتين ايجابيتين، أولاً من خلال احترام أسس المواطنة وقواعدها التي تحقق المساواة في الحقوق اولاً، ثم في الواجبات. وثانياً من خلال تسفيه ثقافة الغلو والتطرف من حيث هي رفض للآخر واحتكار للحقيقة والحق".
وأكد السماك "ان الحضور المسيحي في الشرق، الفاعل في المسلمين، والمتفاعل معهم، هو ضرورة مسيحية بقدر ما هو ضرورة اسلامية، ثم انه ضرورة ليس للشرق وحده، إنما للعالم كله. والخطر الذي يمثله تآكل هذا الحضور عددياً ومعنوياً، هو هم مسيحي بقدر ما هو هم اسلامي، ليس لمسلمي الشرق وحدهم بل لمسلمي العالم كله". وأضاف: "أردد هنا، من على منبر الفاتيكان، ما سبق ان رددته من على منبر في مكة المكرمة، من انني أخاف على مستقبل مسلمي الشرق من هجرة مسيحييه، ومن ان المحافظة على الحضور المسيحي هو واجب اسلامي عام بقدر ما هو واجب مسيحي عام.
إن مسيحيي الشرق ليسوا أقلية طارئة. انهم في أساس وجود الشرق منذ ما قبل الاسلام. وهم جزء لا يتجزأ من التكوين الثقافي والأدبي والعلمي للحضارة الاسلامية. ثم انهم رواد النهضة العربية الحديثة الذين حافظوا على لغتها، لغة القرآن الكريم."