كتب بيار عطالله في "النهار": تمر ذكرى الاجتياح السوري في 13 تشرين الأول 1990 هذه السنة، دون أن يتذكر احد المعتقلين في السجون السورية، ومن بينهم بعض العسكريين والمدنيين والرهبان الذين فقدت اثارهم في ذلك اليوم الاسود، واستمرت مدة طويلة المطالبات الشعبية والاهلية والحقوقية بمعرفة مصيرهم. وكان الاهالي يعولون ضمناً على قيام علاقات جيدة بين الدولة السورية والنائب ميشال عون المستهدف الاول من الهجوم العسكري السوري في ذلك اليوم، لكي يتم التوصل الى تبيان الخيط الابيض من الاسود في قضية المعتقلين التي دخلت غياهب النسيان اسوة بقضية ترسيم الحدود وحل ملف السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ومعالجة الخلل في الاتفاقـــات الموقــعة بين لبنان وسوريا.
في مراجعة ملف المعتقلين اللبنانيين لدى السلطات السورية في 13 تشرين الاول 1990، أصبح ممكنا الحديث عن كشف مصير قسم من هؤلاء العسكريين، ضباطا وافراداً، بعدما تم العثور على رفاتهم في المدفن الجماعي في وزارة الدفاع الوطني والذي تم الكشف عليه بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، وتبين أنه ضم رفات العديد من شهداء الجيش الذين سقطوا على مختلف الجبهات والمعارك التي خاضها الجيش، ومنها معارك 13 تشرين الاول 1990 حيث استمرت بعض وحدات الجيش في المقاومة وقتال القوات السورية رغم لجوء رئيس الحكومة العسكرية انذاك الى السفارة الفرنسية واصداره أمراً بوقف القتال واسناد الأمرة الى قائد الجيش المعين العماد اميل لحود.
جهاد عيد
لكن الكشف عن المقبرة الجماعية لم يحل مشكلة المعتقلين او الاسرى في يوم 13 تشرين، ذلك ان ثمة من لا يزال مصيرهم مجهولاً، وفي مقدمهم الجندي النصير جهاد عيد الذي لا تزال والدته صونيا معتصمة وتنشط للمطالبة بمعرفة مصيره، وهي التي تملك ورقة أو أمر مهمة او بلاغاً صادراً عن قيادة الجيش مطلع التسعينات يشير الى وجود ابنها في السجون السورية. وما تذهب اليه صونيا عيد من اعتقاد ليس وهما، بل هو امر مبرر، اذ لم يتم العثور على رفات جهاد (في ما لو كان شهيداً) بين رفات الشهداء الذين عثر عليهم في المقبرة الجماعية في وزارة الدفاع، كما ان لا دليل على وفاته رغم كثرة الادلة والمقابر الجماعية التي تم العثور عليها في انحاء متفرقة في لبنان.
ويقول ناشطون في حقوق الانسان ان من حق السيدة الجليلة التي اضناها التعب والحزن على ابنها ودفعت في سبيل معرفة القليل من الاخبار عن فلذة كبدها الكثير من الاموال والمقتنيات، ان تتمسك بانتظار ابنها ما دام احد لم يعثر عليه ميتا، وما دامت تملك الكثير من الاخبار عن ذلك المعتقل اللبناني الذي يسمى "الاعرج" والذي نقلت اخباره الى والدته من معتقلين سابقين مفرج عنهم من السجون الامنية السورية.
الابوان شرفان وابو خليل
وعلى مثال قصة جهاد عيد وحسرة عائلته، تستمر معاناة قسم لا يستهان به من عائلات المعتقلين في ذلك النهار، وفي مقدمهم الراهبان الانطونيان البر شرفان وسليمان ابو خليل اللذان فقدت آثارهما في ذلك اليوم الاسود وسط دخان المعارك والقصف. علما انه عقب انتهاء المعارك شاهدهما سكان جوار الدير وتحدثوا معهما، ليختفيا بعدها، في حين تستمر الرهبانية الانطونية في اقامة الصلوات على نية الافراج عنهما او معرفة مصيرهما، وهما اللذان كانا اعزلين في دير القلعة في بيت مري.
ورغم الوساطات الكثيرة والقرائن الواضحة التي اثبتت بما لا يقبل الجدل ان الراهبين لم يقتلا في المعارك العسكرية، الا ان اي خيط ابيض او اسود لم يتم التوصل اليه، ما دفع عون في احد تصريحاته الصحافية الكثيرة من العاصمة الفرنسية الى وصف اختفائهما القسري بانه لا يقبل اي دليل، وان القوات السورية النظامية في امكانها الكشف عن مصيرهما من خلال اتصالات بسيطة"، لكن مواقف عون لم تجد نفعاً في الكشف عن مصيرهما. وحتى تدخل البابا الراحل يوحنا بولس الثاني لدى السلطات السورية اثناء زيارته التاريخية لسوريا لم تؤد الى اي نتيجة.
أمل اهالي المعتقلين في سوريا خيرا من زيارة عون الاولى للعاصمة السورية، واعتبروا ان مصالحة قائد الجيش السابق مع سوريا ستؤدي الى عودته مع افواج المعتقلين، وخصوصاً من تبقى من عسكريي الجيش الذين فقدوا في معارك 13 تشرين الأول. وازداد اقتناع الاهالي بأمكان حل هذه المأساة الانسانية لعلمهم بالعناية التي اولاها عون للملف منذ ما قبل الاجتياح السوري عام 1990 عندما افتتح مكتباً في قصر بعبداً او قصر الشعب كما دعاه، وطلب من جميع من لديهم معتقلين في سوريا ان يقوموا بتعبئة استمارات عن حالة انسبائهم في احدى دوائر القصر.
وشكل الاجتياح في 13 تشرين والاعتقالات التي واكبته ملفاً جديداً اضيف الى ملف المعتقلين. وقيل لمن سأل عن الملف وتطوراته، ان قضية المعتقلين من اختصاص السلطات الرسمية اللبنانية، وكانت أحدث تجلياته اللجنة المشتركة التي شكلتها الحكومتان اللبنانية والسورية وتوصلت الى تقرير غامض لم يعرف عنه شيء، وان يكن يرجح ان التقرير سوف يتولى تصفية القضية وقفلها وطمر ملفات عشرات المعتقلين اللبنانيين الذين اعتقلوا قبل 13 تشرين الاول 1990 وخلاله وبعده، ولم يتسنَ لاهاليهم معرفة شيء عن مصيرهم، خصوصاً بعدما دخل الملف بازار التسويات السياسية بعد ادراجه على السنة السياسيين في معظم خطاباتهم، وخصوصاً النائب ميشال عون، وصولاً الى خطاب القسم والبيان الوزاري، وكله لم يكن سوى حبراً على ورق.