"بلشنا ننضّف الـ LBC"! هكذا قالت احدى المراسلات يوم طرد الشيخ بيار الضاهر، عددا من موظفي الشركة، وأبرزهم طبعا دنيز رحمة فخري وديامان جعجع، وعشرات الشباب من الحرس والتقنيين، وكل ذلك لاسبابه الشخصية التي اصبحت معروفة.
يومذاك كانت المراسلة، التي طالما تغنّت "بموضوعيتها"، تتجوّل بفرح غامر وثقة عالية جدا بالنفس، في الرواق الطويل، وكأنها تسير على "أرض" ملكتها حديثا. لم تكن تعرف، هي وسواها ممن فرحوا انذاك معها، ان تلك الارض بالذات، ستميد يوما من تحتها لسبب واحد فقط، لانها نكرت شهادة من استشهدوا من أجل هذه الارض وهذه المؤسسة. من أجل أن تبقى صوت المسيحيين وضميرهم، وصوت كل لبناني، مسلم ومسيحي ودرزي، لا يهتف الا للبنان.
لمّا خرجنا أنا وزميلاتي وزملائي من الـ "LBC"، نسيتها على المستوى الشخصي، ما ان غاب مبناها عن ناظري. لم أنس اصدقائي الكثر في الداخل، لاننا دائما نلتقي. لكن بقي في بالي وفي غضبي المؤجّل، صوت دنيز وصورتها، وهي تضع يدها في أسفل بطنها، وكأنها تحاول أن تسند جنينها، وأن تحميه من وقع الصدمة، التي نزلت على كبريائها المجروح، كالصاعقة. أذكر صمت ديامان الدفين، وحزنها الذي لم تعبّر عنه حتى بدمعة عابرة، كي لا تجعلنا نحزن من أجلها. أذكر صديقاتي… اللواتي بدأن بالبكاء حين عرفن بأمر طردي، ونهرتهن قائلة:" انا بعد ما متّ ليش عم تبكوا".
أذكر شباب الامن، الذي كرّسوا حياتهم، لحماية حياة الشيخ وأمن المؤسسة، وهم يلهثون في مبنى وزارة العمل، ويعرفون ان لا أمل لهم بتحصيل حقوقهم، انما فقط لتسجيل موقف كرامة لهم…. هنا عدت وقررت الا أنسى. أن انعش ذاكرتي دائما، كلما شعرت اني نسيت يوم التبليغ بطردي. كان من المسيء أن أنسى بهذه السهولة. ليس لأحقد لاحقا، لا يهمني الامر. ليس لاتشفّى يوما ما. أيضا لا يهمني، لاني عرفت اننا تركنا أرضا بورا، فقدت تربتها الخصبة، فقدت بريقها يوم فقدت روحها الاصلية، روح النضال والايمان بقضية، يوم تحوّلت الى مؤسسات للافراد والاقارب… وأيضا بعض العقارب، اسمحوا لي بهذا التشبيه!!
منذ سنة تحديدا، خرجنا طردا من "المؤسسة اللبنانية للارسال". أرسلوا عبرنا رسالة مباشرة الى سمير جعجع. طبعا كان هذا مدعاة فخر لنا، وليس العكس كما ظنوا. دخلنا لائحة الشرفاء، وان كان غالبية من نجا آنذاك من الطرد، من الاصدقاء والرفاق، لا يقلّون عنا شرفا على الاطلاق، انما قرر من قرر من "الاساتذة"، أن تقع علينا قرعة الاسماء.
الاكيد، أن لا يهمني الآن على الاطلاق، أن أعود كموظفة في الـ "ال بي سي". أنا أعمل قناعاتي، في مؤسسة اعلامية قواتية أفخر بها جدا. لكنني سعيدة بصدور القرار الظني، بحق المؤسسة والقيمين عليها. سعيدة جدا ليس من باب الشماتة على الاطلاق. يشمت من كان يخبىء حقدا دفينا. وليست هي حالي. أنا سعيدة لدنيز فخري. سعيدة لصوت السعادة الذي أطلقته حين علمت بالخبر. قالت لي بالحرف" ما في أحلى من الحق وما في عدالة أعلى من عدالة ربنا، الله يسامحن على كل شي عملو". لم تذكر ما فعلوا بها. للمرة الثانية أعود وأقرر أني لا أريد أن أنسى ما حصل معنا في الـ "ال بي سي"….
أنا سعيدة للشهداء. من حقّهم أن يعرفوا بأن مؤسستهم، ليست ملكا لأي فرد، أو زعيم، أو رجل سياسة أو رجل أعمال….هي ملك للقضية، للناس، لهموم الناس، للارض التي من أجلها سالت تلك الدماء.
لا يهمني أن أعود الى المؤسسة، وقد لا أعود أبدا، حتى ولو عادت بالقانون الى أصحابها، الى القوات اللبنانية. أنا سعيدة لاجل دنيز وديامان والشباب والرفاق. سعيدة لان الحق يعطي قوة، يسترجع الامل بدولة القانون.
أعرف ان بعض الوجوه صارت سوداء في الداخل، لكن ثمّة وجوه اخرى صارت مشعّة أكثر، وان كانت لم تعبّر عن ذاتها، ليس خوفا من التعبير، انما كي لا يُفسَّر الامر، بأنه جزء من الشماتة. هم رفاقنا وكلنا يفكّر بالطريقة ذاتها، لم نتعوّد، حين ننتصر أن نتكابر على سقوط الاخرين أو على فشلهم، لكن للزملاء الذين فرحوا يوم رحيلنا، وهم الان يلبسون الاسود فوق ملامحهم، ربما آن الاوان فعلا، لحملة نظافة عميقة في "المؤسسة اللبنانية للارسال" كما قالت الزميلة "المحترمة" منذ عام، لكن الحملة المطلوبة، ليست من منظار تلك الزميلة الرفيعة المستوى، على مستوى الزمالة والانسانية، المطلوب ترحيل طبقات الحقد الدفين، العالق في تلك النفوس، لان المؤسسة اذا عادت كليّا الى أصحابها، لن تقبل بثلاثة: الحاقدين السارقين والخونة. وبناء عليه، يجب على الزميلة وزملائها الآن في الزعل، وفي "السلطة" وفي الانتماء، أن يفكّروا مليا في أي خانة يضعون أنفسهم، ليبنى على الشيء مقتضاه.
