#adsense

.. وشكراً

حجم الخط

كلما جاءنا ضيف رسمي كبير ومهم تدربكت الدنيا فوق رؤوسنا. وحضرت معه ظواهر لبنانية غريبة، تُترجم عادة بالمظاهرات والاستعراضات التي ترافق الحفاوة بالزائر العزيز.

كثيرون رأوا على الهواء مباشرة (على سبيل المثال وليس الحصر) كيف نزل من نزل لاستقبال الرئيس الإيراني في مطار رفيق الحريري الدولي، وعلى طريق ذلك المطار، ثم كيف تقاطر من تقاطر للحفاوة به في كل محطة من محطات زيارته، وصولاً الى احتفال ملعب الراية في الضاحية، ثم في احتفال بنت جبيل في الجنوب. ولا نقاش في فحوى الموقف السياسي أو الطائفي أو المذهبي لتلك العراضات، إنما في شكلها الموصل الى مكان صعب وبائس!

لكل طائفة لبنانية "نجادها" ولكل فريق محجّته. ولكل زائر الى بلدنا أهواء وتطلعات يفترض أن المريدين اللبنانيين يعبئون الفراغ فيها ويلبّون نداءها. وهذه تُترجم أكثر ما تُترجم من خلال النزول الى الشوارع والساحات، على ما رأينا في اليومين الماضيين.

لكن أفترض مثلاً، أن بابا روما شخصية روحية عالمية، بل هو الأرفع مستوى على الإطلاق في بني قومه و دينه.. ليس رئيساً لجمهورية، ولا حاكماً لدولة محددة الإطار، ولا زعيماً إقليمياً، بل هو بحكم وضعه ودوره و"وظيفته"، خارج نطاق الحدود والكيانات ومن الطبيعي، تبعاً لذلك، أن تكون زيارته لأي بلد مدعاة للمّ الشمل، ولحضور شعبي عرمرم يبحث عن أجوبة سماوية عن أسئلته وبواعث قلقه ومخاوفه الوجودية.

زادٌ روحي لا يقارب السياسة إلا بالدعوة الصالحة والرجاء الطيب!
وأفهم مثلاً أن المهرجانات المماثلة، أي تلك العابرة للحدود والكيانات والقارات واللغات والشعوب والعادات، إنما تقام لأهل الموسيقى والطرب. للفرق والأفراد على حد سواء.

أيضاً زاد فني مستمر، لا يقارب السياسة إلا لنفي وجودها، مستبدلاً قرقعة المواقف النارية بقرقعة آلات الموسيقى، والأصوات الراعدة بأصوات الشدو والغناء، والرشاشات بآلات النفخ، والمدافع بالطبول ليس إلا.

لكن ما لا يُفهم (أعزائي المشاهدين المبسوطين بزوّارنا) هو أنه كيف يمكن أن ينخرط الموقف الوطني الجماعي العريض الى هذا الحد في تقديم آليات الطاعة الى رئيس دولة أخرى مهما كانت تلك الدولة قريبة أو صديقة أو حليفة أو داعمة؟… يُفهم أن تقدّم فرائض الشكر والامتنان على "مساعدة" جاءت في عزّها ووقتها، ويُفهم أن تقدم فرائض الولاء والتحالف حسب الأصول وبأكبر قدر ممكن من الشكليات الحافظة للذات الوطنية والخصائص الوطنية و"الأشكال" الوطنية والرموز الوطنية لكن ما لا يُفهم هو ذلك القدر من الانفعالات والمبالغات الى حد أن صورة واحدة لم ترفع لرئيس جمهوريتنا من بين آلاف وآلاف الصور التي رُفعت لضيفنا العزيز!

البعض وجد في تلك المظاهر ما هو أبعد من قصة ضمور المشاعر الوطنية الجامعة المنتشية بهويتها وذاتها.. وجد فيها رسالة تحدّ سياسية محلية وإقليمية ودولية. وتعبيراً على طريقة "حزب الله" عن تلك السياسة. و"الانسحاق" هنا مقصود وفقاً للطقوس التي يعتمدها الحزب في كل مناسبة، وهي طقوس لا تعرف شيئاً من الوسطية والاعتدال لا في الفعل ولا في الكلام.. وعدم رفع صورة واحدة لرئيس جمهوريتنا يمكن أن يوضع في إطار تلك الطقوس التي لا تعترف إلا بمن هو "معنا" من دون تمويه أو تلوين!

.. ثم بعد هذا، لا أفترض أن الإيرانيين أنفسهم أرادوا هذا القدر من "الانفعال" اللبناني أمامهم! هم يعرفون أن ما قُدّم لهم ولمشروعهم في لبنان أكبر بكثير مما قدّموه. ولذا جاؤوا ليشكروا لا ليتقبلوا فرائض الطاعة والتماهي!

وفي كل حال، ذلك ضرب آخر من ضروب الحال اللبنانية الراهنة، التي ذهب فيها القرار السيادي المستقل في غياهب القرار الإقليمي.. وفي هذا بحث طويل وممنوع. وشكراً!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل