بتّ القضاء اللبناني، في مرحلة أولية، في النزاع القائم بين رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع من جهة، وبين رئيس مجلس إدارة المؤسسة اللبنانية للإرسال بيار الضاهر من جهة ثانية حول ملكية تلفزيون الـ"أل.بي.سي" وموجوداته.
وخلص قرار ظني أصدره أمس قاضي التحقيق في بيروت فادي العنيسي في القضية الى اعتبار أن الضاهر قد أساء الأمانة وقام باختلاس وتبديد الأموال المؤتمن عليها، وبتدخل من أحد أعضاء مجلس إدارة المؤسسة رئيف البستاني، طالباً لهما عقوبة السجن من شهرين حتى ثلاث سنوات، وأحالهما أمام الحاكم المنفرد الجزائي في بيروت للمحاكمة، بحيث تدخل القضية في مرحلة ثانية نحو الفصل في ملكية الـ"أل.بي.سي"، فيما منع عنهما المحاكمة من الجرائم الأخرى المدعى بها لاعتبارها غير مستقلة عن جرم إساءة الأمانة، لجهة الاحتيال وتهريب الأموال وتخبئتها.
ومنع القاضي العنيسي المحاكمة عن أعضاء مجلس الإدارة مرسال يوسف الضاهر ورندا كميل سعد ورولى كميل سعد وريما كميل سعد وإيمان كميل سعد وأوسكار الجزار وصلاح الدين نظام عسيران ومروان سليم خيرالدين لعدم كفاية الدليل بحقهم، فيما اعتبر المؤسسة اللبنانية للإرسال ش.م.ل والمؤسسة اللبنانية للإرسال إنترناشيونال ش.م.ل وست شركات ملحقة بهما مسؤولة جزائياً عن أعمال مديرها، والتي تقتصر عقوبتها على الغرامة المالية تحدّدها لاحقاً المحكمة في حال إدانتها.
وفي قرار مسهب، يقع في ثلاثين صفحة فولسكاب، يستند القاضي العنيسي الى نقاط تسع تتضمن وقائع جرت بين الطرفين المتنازعين في مرحلة سابقة، وتساؤلات حول مغزى المفاوضات التي كانت تجري بين الضاهر وجعجع، لو كان الأول هو المالك الفعلي والقانوني للتلفزيون، فضلاً عن أقوال شهود عاصروا تلك المرحلة بحيث وصف المرحوم أنطوان الشويري بيع جعجع التلفزيون للضاهر بـ"الهرطقة". فيما وصف جعجع الأمر بالكذبة.
ويذهب القاضي العنيسي الى أبعد من ذلك ليصل الى النتيجة التي انتهى إليها قراره، لإثبات عدم ملكية العناصر للتلفزيون وموجوداته، حين أقدم الأخير بصفته رئيساً لمجلس إدرة الـ"أل.بي.سي" صورياً، كمؤتمن على الأسهم المملوكة فعلياً من القوات على إجراء تفرغ ونقل موجودات التلفزيون وأسهمه وبيع مكتبة الأفلام وزيادة رأس المال من دون مساهمة مالية منه شخصياً وإدخال مساهمين جدد وإنشاء شركات متفرعة عن الشركة الأمّ ومن ثم تلكؤه عن إعادة الأموال رغم المطالبة الصريحة والإنذارات الموجهة إليه من جعجع.
ويستعرض القرار في موضوع الشكوى المباشرة التي تقدم بها جعجع في العام 2007 ضد الضاهر والآخرين المذكورين، لينتقل الى المرحلة التي رافقت فكرة إطلاق التلفزيون والتي تعود الى الرئيس الراحل بشير الجميل.
يعلّل القاضي العنيسي بإسهاب في مستهل قراره مسألتي عدم صفة المدعي جعجع وسقوط الدعوى بمرور الزمن اللتين أثارهما الضاهر في دفاعه، لينتهي العنيسي الى اعتبار في المسألة الأولى أن الجمعية أو حزب القوات اللبنانية لا يزال قائماً قانوناً وتسمية القوات اللبنانية على أساس حزب أو جمعية، تعتبر كأنها ما زالت تتمتع بالشخصية المعنوية فضلاً عن أنها معروفة تجاه العامة بأنها هي عينها التي كانت تعرف بميليشيا القوات. أما في ما خص المسألة الثانية فيرى القرار أن جرم إساءة الأمانة لم يكتمل بتاريخ عقد التفرغ الذي يدعي به الضاهر والحاصل عام 1992، بل تعداه الى تاريخ لاحق. وفي هذا الإطار يكشف القرار عن مفاوضات جرت في العام 1994 بين الرئيس الشهيد رفيق الحريري وجعجع بخصوص مشروع توأمة أو شراكة بين تلفزيونات "لبنان" و"المستقبل" والـ"أل.بي.سي" لكن المشروع لم يبصر النور بسبب توقيف جعجع إثر وقوع انفجار كنيسة "سيدة النجاة".
ويروي القرار واقعات أخرى حصلت ثبّتت عدم مرور الزمن على هذه القضية، ويستند القاضي العنيسي في ما انتهى إليه لجهة رد الدفعين المتعلقين بمرور الزمن وعدم صفة المدعي الى اجتهادات قانونية صادرة في هذين المجالين.
ويغوص القرار في بحثه في أساس النزاع ليؤكد أن ملكية التلفزيون عند إنشائه يعود للقوات بحكم واقع الحال حينها وهذا ثابت ثبوتاً مطلقاً غير قابل للدحض.
ويتضمن القرار إفادات عدد من الذين عاصروا تلك المرحلة ومنهم المرحوم أنطوان الشويري والدكتور مروان اسكندر وجورج كساب وابراهيم اليازجي وجورج أنطون وغيرهم، فضلاً عن إفادات المتنازعين الضاهر وجعجع. ويقول الأول بعد نفيه ما أسند إليه أنه جرى اتفاق شفهي بينه وبين جعجع عام 1992 على بيع التلفزيون من جعجع الى الضاهر بعد تعهد الأخير بتسديد ديون القوات البالغة 5 ملايين دولار وتسديد ديون المصارف، وأنه تم تكريس الاتفاق بعقد التفرغ بعدما رفض جعجع صيغة الاتفاق الخطي لانتفاء صفته كبائع، وأنه يضيف الضاهر بعد ذلك أصبحت سائر الأمور الإدارية بعهدته. أما لجهة تبلغه إنذاراً عام 2006 وقيامه رغم ذلك ببيع أسهمه في شركة "داكوم هولدنغ" فاعتبر الضاهر أن مرد ذلك يعود الى عدم الاستحصال على رخصة كايبل فيزيون، أما المفاوضات التي جرت خلال عام 2006 وما يليها بتدخل من النائب جورج عدوان والمرحوم أنطوان شويري لجهة تنازل الضاهر عن جزء من أسهمه في التلفزيون لصالح الجهة المدعية وإشراف هذه الأخيرة على البرامج السياسية فلم تقترن بنتيجة إيجابية بسبب رفض البند الأخير المتعلق بالإشراف على الأخبار والبرامج السياسية، أما الاجتماع الحاصل عام 1993 بين جعجع والضاهر بحضور الشاهد مروان اسكندر للمفاوضة حول بيع جزء من مكتبة الأفلام فقد حصل في مرحلة البث الفضائي ولا علاقة له بالنزاع الراهن، كما أن الضاهر كان يسدد أموالاً كمساعدة للقوات اللبنانية منذ عام 2005 الى أشخاص قريبين من سمير جعجع.
أما باقي المدعى عليهم من المساهمين الجدد وهم من أقرباء الضاهر، فأجمعوا معظمهم على التأكيد بأنهم لم يكونوا على اطلاع بشأن القرارات المتخذة في مجلس الإدارة، فيما أقدم رئيف البستاني على التوقيع على عقد التفرغ الحاصل عام 1992 بصفته ممثلاً للشركة المتفرغة "أل.بي.سي" لمصلحة الضاهر.
أما جعجع فيقول إن علاقة قديمة وقوية جمعته بوالد بيار الضاهر المرحوم يوسف الضاهر وإن استلام إدارة التلفزيون من بيار الضاهر تم بقرار من جعجع بناء لاقتراح المحامي كريم بقرادوني الذي أشرف سياسياً على إدارة التلفزيون فيما الإشراف والوعاء المالي له كان ضمن الصندوق الوطني التابع للقوات اللبنانية وأضاف أنه لم يكن على علم بإنشاء شركة "أل.بي.سي" إلا عام 2006 إثر خروجه من السجن رغم اتخاذ قرار من إدارة التلفزيون عام 1992 بتغيير "اللوغو" للخروج من صورة الحرب الأهلية وأن عملية بيع التلفزيون من قبله لأمر الضاهر عام 1992 هي بمثابة كذبة سيما أنه لا يحوز على أي صفة للبيع.
وفي ما خص الشاهد المرحوم أنطوان الشويري، فقد أفاد أنه إثر خروج جعجع من السجن رعى خلال عام 2007 مشروع حل حبي بين الفريقين بخصوص تحديد حقوق القوات المادية في التلفزيون وحقوق بيار الضاهر كصاحب فضل كبير في ازدهاره واستمراريته، إلا أن الضاهر بادر عام 2008 الى الاحتفاظ وأقرباءه بعشرة في المئة من الأسهم بعد أن تفرغ عن الباقي لمصلحة الأمير الوليد بن طلال، وخلص الى القول إن مسألة بيع التلفزيون من جعجع للضاهر هي هرطقة.
وبالعودة الى النقطة القانونية المحورية حول معرفة مدى توافر عقد تفرغ شفهي عن ملكية التلفزيون يناقش القاضي العنيسي نقاطا عدة:
من جهة أولى، إن الاتفاق الشفهي الذي يستند إليه بيار الضاهر حصل بالانفراد بينه وبين سمير جعجع من دون حضور أي شخص ثالث، والعقد المدعى به غير موثق بأي مستند خطي رسمي أو عادي قد يستخلص منه موافقة جعجع على التفرغ، هذا بقطع النظر عن صفة هذا الأخير للبيع غير المتوفرة قانوناً كونه غير مخول بالتوقيع عن حزب القوات اللبنانية آنذاك واستطراداً وانطلاقاً من مسؤوليته الفعلية الأحادية عن الحزب المذكور فإنه من المستغرب إقدامه على بيع مؤسسة إعلامية تابعة للقوات اللبنانية من دون وجود الممثل للحزب المسؤول عن الصندوق الوطني والذي كان لا يزال قائماً بتاريخ عقد التفرغ هذا، فضلاً عن عدم وجود أي تسجيل للعقد المدعى به في قيود السجل التجاري للشركة المباعة كما هو مفروض.
ومن جهة ثانية، إن كتب الإقرار بملكية القوات اللبنانية للتلفزيون المؤرخة في 30/1/1986 بقيت بحيازة القوات اللبنانية لغاية إبرازها في جلسة تحقيق استنطاقية مع بيار الضاهر الذي فوجئ بها بعدما أدلى أنها بحوزته إنما أضاعها مما يطرح تساؤلاً جدياً حول مدى حصول البيع الذي يفترض في سياق طبيعي تسليم كتب الإقرار الى منظميها وأبرزهم الضاهر لانتفاء موضوعها أو إتلافها أو إلغائها لحفظ حقوقه المستجدة استناداً الى عقد البيع المزعوم، أما القول إن سمير جعجع لم يطلب من إدارة شركة المؤسسة اللبنانية للإرسال انترناشيونال ش.م.ل عند إنشائها "كتب ضد" مماثلة فإن ما جاء يعتبر رداً على هذا القول إذ إن الجهة المدعية تنفي أصلاً وجود اتفاق على البيع.
من جهة ثالثة، إن كل الشيكات المبرزة صور عنها بموجب كتاب مديرية المخابرات في الجيش اللبناني قد صدرت بعد عام 1992 باسم الشاهد ابراهيم اليازجي الذي كان يشغل مركز رئيس الصندوق الوطني التابع للقوات اللبنانية وقد أكد الشاهد المذكور وغيره من الشهود أن هذه الشيكات المسددة من التلفزيون لمصلحة الصندوق هي بمثابة دفعات لحساب الصندوق من التلفزيون وكموارد له بعد أن شحّت موارده الذاتية إثر حل الميليشيات، مع الإشارة أيضاً في هذا السياق الى أن أكثرية هذه المبالغ كانت تحول من شركة "أوديو فيزيوال ميديا" التي كانت تحوز على حصرية الإعلانات في شركتي المؤسسة اللبنانية للإرسال ش.م.ل والمؤسسة اللبنانية للإرسال انترناشيونال ش.م.ل وذلك بموجب شيكات صادرة باسم الصندوق الوطني عائدة لأعوام 1992 و1993 و1994.
كما إن الشاهد الشيخ سليم الخوري خال بيار الضاهر أكد من جهة رابعة أن مبلغ المليون دولار أميركي الذي طلبه الضاهر استرده من هذا الأخير لاحقاً ولم يتم دفعه فعلياً لشراء التلفزيون كما أبلغه الضاهر.
لو صح قول الضاهر أن الدفعات التي كانت تحول الى الصندوق الوطني التابع للقوات اللبنانية أو غيره من الأشخاص المستعارين هي تكملة لتسديد الثمن أو رصيد له لكان ذكر ذلك صراحة في القيود الدفترية للمحاسبة أو في متن الشيكات.
ومن جهة خامسة، سيما من أقوال بعض الشهود المستمعين أن إنشاء شركة المؤسسة اللبنانية للإرسال انترناشيونال وتغيير لوغو التلفزيون حصل لضرورات مواكبة البث الفضائي ومن ثم مراعاة لأحكام قانون تنظيم الإعلام المرئي والمسموع المزمع إقراره من دون أن يحصل أي تغيير لناحية التعامل مع الغير سيما مع شركة الإعلانات الحصرية والمصارف الدائنة بدليل أن الشيكات والدفعات كانت في بعض الأحيان تصدر باسم المؤسسة اللبنانية للإرسال سيما تلك الصادرة عن شركة "أوديو فيزيوال ميديا".
وما يعزز هذه القناعة ما ورد في إفادة بيار الضاهر الاستنطاقية أمام قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان بتاريخ 19/12/1994 في إطار الدعوى الجزائية المقامة من حزب الكتائب حينها في الصفحة الثالثة من استجوابه إذ ورد ما حرفيته "عام 1992 أنشأت شركة جديدة أسميتها المؤسسة اللبنانية للإرسال انترناشيونال ش.م.ل لمواكبة البث الفضائي وتغطية الدول العربية والأوروبية".
ومن جهة سادسة، وبعد إنشاء شركة المؤسسة اللبنانية للإرسال انترناشيونال بعدة أشهر وإثر دخول الجيش اللبناني الى المركز القديم للتلفزيون في جونيه وافق سمير جعجع على انتقال تجهيزات التلفزيون الى مقرها الحالي في أدما المملوك من القوات اللبنانية بواسطة الصندوق الوطني مما يطرح تساؤلاً حول مدى إمكانية إعطاء جعجع أوامره لعملية الانتقال والتنازل عن ملكية العقارين في أدما من دون أن تكون القوات اللبنانية مالكة للتلفزيون.
وفضلاً عن ذلك، فخلال عامي 1993 و1994 جرت مفاوضات بين رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري من جهة وبين سمير جعجع والمرحوم أنطوان الشويري من جهة أخرى تمحورت حول مشروع دمج ثلاث تلفزيونات هي تلفزيون لبنان والمؤسسة اللبنانية للإرسال انترناشيونال والمستقبل على أن تكون نسبة تملك حزب القوات اللبنانية 40 في المئة من الأسهم إلا أن المشروع المذكور لم يبصر النور إثر انفجار سيدة النجاة ودخول جعجع الى السجن، كما جرت مفاوضات بشأن بيع قسم من مكتبة الأفلام التي انتقلت ملكيتها الى شركة المؤسسة اللبنانية للإرسال انترناشيونال بموجب عقد التفرغ وذلك بين رجل الأعمال الكويتي محمد جاسم الصقر من جهة والسادة جورج أنطون (المسؤول عن الصندوق الوطني التابع للقوات اللبنانية) وبيار الضاهر والمرحوم أنطوان الشويري من جهة أخرى بوساطة الخبير الاقتصادي الشاهد مروان اسكندر بإشراف وتوجيه من سمير جعجع لم تؤد الى نتيجة نهائية إثر توقيف هذا الأخير خلال شهر نيسان 1994.
وتأسيساً على ما تقدم ومن جهة سابعة، فإن تساؤلاً إضافياً يطرح حول فرضية انعدام أي علاقة بين القوات اللبنانية والقوات اللبنانية والتلفزيون إثر عقد 1992 وانتقال الملكية الى الجهة المدعى عليها حسب قولها: ما هو السبب المبرر لإجراء المفاوضات المذكورة إن مع المرحوم الرئيس رفيق الحريري وإن مع رجل الأعمال الكويتي محمد جاسم الصقر بإشراف مباشر من سمير جعجع كممثل فعلي للقوات اللبنانية لو أن عقد بيع نزع عن الحزب المذكور أي حق مشروع في التلفزيون؟
ومن جهة ثامنة، وإثر خروج سمير جعجع من السجن عام 2005 وحيازة القوات اللبنانية على العلم والخبر مجدداً بنفس السنة حصلت لقاءات عديدة بين جعجع وبيار الضاهر هدفها التوافق على الحقوق المتبادلة في التلفزيون وعرضت صيغ عديدة للتوصل الى حل حبي بإشراف المرحوم الشاهد أنطوان الشويري الذي كان له الدور الأساسي فيها وقد طلب جعجع بصفته ممثل القوات اللبنانية من الضاهر في سياق هذه المفاوضات أن يساهم بأموال من الأرباح المحققة سابقاً من أجل تمويل الحزب كما جرت مفاوضات تمحورت حول إعادة توزيع الحصص في التلفزيون بين القوات اللبنانية وبيار الضاهر ضمن نسبة أسهمه البالغة 51 في المئة على أن يكون الشق السياسي والإشراف عليه مشتركاً بين الفريقين إلا أن الضاهر لم يوافق على هذا الشق ولم تؤد المفاوضات الى أي نتيجة مما يطرح تساؤلاً إضافياً حول مغزى هذه المفاوضات لو كان الضاهر هو المالك الفعلي والقانوني للتلفزيون.
ويضاف الى ما تقدم ومن جهة أخيرة ما ورد في متن كتاب موجه من الشاهد كريم بقرادوني بصفته نائب رئيس حزب الكتائب حينها الى بيار الضاهر بتاريخ 12/7/1995 ورد في متنه ما حرفيته "استغربت كلامك مؤخراً أمام المجلس العدلي حين ادعيت في شهادتك أنك تملك المؤسسة اللبنانية للإرسال وأنك أسستها. وسرعان ما تحول استغرابي الى ذهول عندما علمت منذ أيام أنك في صدد بيع هذه المؤسسة كلياً أو جزئياً وكأنها ملك لك حلال لك تتصرف به من دون راجع أو وازع. لا أخفيك أني فكرت طويلاً فيما عليّ أن أقوم به، بصفتي مؤتمناً معنوياً وقانوياً على هذه المؤسسة، وتبين لي أن الطرق عديدة غير أني فضلت أن أبدأ بتوجيه هذا الكتاب لألفتك الى الحقائق والوقائع التي تعرفها تماما لمعرفة علّها تحرك فيك الضمير والذاكرة فتصحح تلقائياً المسار وتعيد الأمور الى نصابها والحقوق الى أصحابها.
ويضيف كتاب بقرادوني: وبما أن المؤسسة اللبنانية للإرسال وما تفرع عنها من قنوات وشركات ليست ملكك ولا ملك الذين يحملون الأسهم ولا ملك أي فرد من الأفراد، وبما أن أسهم هذه المؤسسة هي بحوزتك وحوزة الآخرين بصورة صورية وعلى سبيل الأمانة، وبما أنك أقريت خطياً بأنك مالك صوري لهذه الأسهم والأموال وبالتالي لا يحق لك التصرف بها كلياً أو جزئياً، وبما أنك تعهدت لي خطياً أن تتنازل عن الأسهم أو الأموال عند أول طلب مني الى أي جهة أحددها، وبما أني أقر وأعلن باسم الضمير والحق والقانون بأن ملكية هذه الأسهم والأموال والموجودات لا تعود لي كفرد بل هي أمانة في ذمتي لصالح حزب الكتائب اللبنانية، وبما أنه حان الوقت لإعادة الأمانة الى أصحابها الأصليين بعد صدور قانون تنظيم الإعلام المرئي والمسموع الذي يوجب على أصحاب التلفزيونات والإذاعات الخاصة اتخاذ مجموعة من الترتيبات لنيل الترخيص القانوني، لهذه الأسباب، أناشد فيك الضمير وأطلب باسم الحق والأمانة والقانون أن تعمد فور تسلمك كتابي الى التنازل لحزب الكتائب اللبنانية عن كامل الأسهم والأموال والموجودات العائدة للمؤسسة اللبنانية للإرسال ش.م.ل والمؤسسة اللبنانية للإرسال انترناشيونال ش.م.ل وشركة القناة 33 ش.م.ل وأحذرك من مغبة التصرف بأي شكل من الأشكال بهذه الأسهم والأموال والموجودات التي لا تملكها لا كلياً ولا جزئياً تحت طائلة تحميلك المسؤوليات الجزائية والمدنية. وأعلم، مهما كانت الظروف والمبررات، بأني لن اقبل ان يفرط بأمر اؤتمنت عليه باسم قضية ومجتمع ووطن".
ويخلص القاضي العنيسي الى انه لم ينهض من اوراق النزاع الراهن اي دليل ان بيار الضاهر ساهم من امواله الشخصية بعقد انشاء المؤسسة اللبنانية للارسال انترناشيونال ش.م.ل. ولحين زيادة رأس المال اكثر من مرة انما يتبدى سيما من اقوال الشاهد المرحوم انطوان الشويري انه جرى احتساب الحصص بنسبة 51% بالمائة من عملية اعادة تقييم موجودات التلفزيون بحوالي 19 مليون دولار اميركي، ويستنتج من كافة ما صار عرضه، لجهة الظروف التي سبقت ورافقت وتلت انتقال موجودات المؤسسة اللبنانية للارسال ش.م.ل. الى المؤسسة اللبنانية للارسال انترناشيونال ش.م.ل. ولاحقا توزيع الاسهم مراعاة لاحكام قانون تنظيم الاعلام المرئي والمسموع الذي حظر تملك الاحزاب وفرض التنوع الطائفي بين المساهمين وعدم تجاوز سقف العشرة بالمئة في نسبة تملك اي شخص طبيعي او معنوي، عدم توافر اية نية بيع من جانب القوات اللبنانية للتلفزيون لمصلحة بيار الضاهر بموجب اتفاق شفهي كما يتذرع هذا الاخير فضلاً عن انتفاء ولو بدء بيّنة على توفر اتفاق على اي ثمن.
ويحدد القاضي العنيسي في ولوجه باب القانون الافعال المشكلة اساءة امانة منذ عام 1994 بالتالي:
– زيادة رأس المال بين 4/8/1995 و19/8/1997 وإدخال مساهمين جدد (بينهما اقرباء الضاهر) بعد اعادة تقييم الموجودات دون ثبوت تقديمهم اي مساهمة مالية من اي منهم انما تم احتساب حصصهم من عملية التقييم.
– بيع مكتبة الافلام الى شركة اكس. واي. زي وهي من العناصر الاساسية في التلفزيون والتي انتقلت ملكيتها الى المؤسسة اللبنانية للارسال انترناشيونال ش.م.ل. وهي كانت موضوع مفاوضة لبيع قسم منها عام 1994 كما صار بيانه اعلاه، وقد تم البيع خلال عام 1996 بقطع النظر عن الفارق الواضح في تخمين هذه المكتبة بين تاريخ عقد 1992 والتواريخ اللاحقة (1994 و1996).
– انشاء شركات شقيقة ومتفرعة عن المؤسسة اللبنانية للارسال انترناشيونال يرأسها بيار الضاهر في حين انه لا يحوز على صفة المالك الفعلي للشركة الاساسية وهذا ما يشكل تبديداً للاموال المسلمة اليه على سبيل الامانة، ولا يمكن التذرع باستقلالية هذه الشركات المتفرعة اذ منذ انطلاقة البث الفضائي عام 1996 اتفق رئيس مجلس الادارة بيار الضاهر مع شركائه على انشاء شركة اكس. واي. زي ومن ثم شركات متفرعة عنها ال.ام.سي وأي.اش.وال.بي.سي. سات وال.بي.سي. بلاس واحتفظ الضاهر وشركاؤه بنفس الحصص التي يملكونها صورياً في ال.بي.سي. آي.
ويفضي ذلك الى ان عدم اعادة شركة التلفزيون والشركات المتفرعة عنها الى مالكتها الحقيقية القوات اللبنانية اصولاً يجعل جرم اساءة الامانة متحققاً بكامل اركانه.
وانطلاقاً من تحقق اركان جرم اساءة الامانة يتبدى ان سائر الافعال المدعى بها كجرائم مستقلة متفرعة عن الجرم الاساسي وغير منفصلة عنه.
وحيث ان الجهة المدعية تسند للمدعى عليهم كافة اشخاص طبيعيين ومعنويين اقدامهم على ارتكاب الجرائم المدعى بها، وحيث انه على ضوء النتيجة التي خلصت الى ان الاستيلاء على التلفزيون وموجوداته يشكل جرم اساءة الامانة يقتضي التمعن في مدى ارتكاب كل من المدعى عليهم للجرم المذكور، وحيث انه بالنسبة للمدعى عليه بيار الضاهر فان اقدامه بصفته رئيس مجلس ادارة شركة ال.بي.سي صوريا كمؤتمن على الاسهم المملوكة فعليا من القوات اللبنانية على اجراء تفرغ ونقل موجودات التلفزيون واسهمه وبيع مكتبة الافلام وزيادة رأس المال دون مساهمة مالية منه شخصيا وادخال مساهمين جدد وانشاء شركات متفرعة عن الشركة الأم ومن ثم تلكؤه عن اعادة هذه الاموال رغم المطالبة الصريحة والانذارات يعتبر اختلاسا وتبديدا للاموال المؤتمن عليها كوكيل مفوض مما يجعل احكام الجرم المنصوص عنه في المادة 670/672 عقوبات منطبقة بحقه.
وحيث ان رئيف البستاني الذي كان عضوا في مجلس ادارة شركة المؤسسة اللبنانية للارسال ش.م.ل. ومؤتمنا مع المدعى عليه بيار الضاهر على موجودات التلفزيون واسهمه اقدم على التوقيع على عقد التفرغ الحاصل عام 1992 بصفته ممثلا للشركة المتفرعة (ال.بي.سي) لمصلحة المدعى عليه بيار الضاهر بصفته مفوضا بالتوقيع عن الشركة الجديدة مما يجعل احكام التدخل في جرم اساءة الامانة المنصوص عنها في المادة 670/ 672/219 عقوبات منطبقة بحقه.
وحيث انه فيما يتعلق بأقرباء بيار الضاهر، وهم مرسال الضاهر ورندا سعد ورولى سعد وريما سعد وايمان سعد فانه لم يقم دليل كاف على علمهم بعدم قانونية التفرغ الحاصل لمصلحتهم من بيار الضاهر مما يجعلهم بمصاف الاشخاص المستعارين سيما انهم لم يشاركوا الا لماماً في اجتماعات مجالس الادارة مما يوجب منع المحاكمة عنهم لهذه العلة.
وحيث ان مروان الجزار كان عضوا في مجلس الادارة دون ان يعلم بمدى قانونية عقد التفرغ ولم يكن مشاركاً في اعمال مجالس الادارة.
وحيث ان صلاح الدين عسيران دخل كمساهم في شركة ال.بي.سي.آي وسائر الشركة المتفرعة عنها عن حسن نية بعد ان استوضح من بيار الضاهر وغيره عن علاقة القوات اللبنانية بالتلفزيون فقبل المساهمة بعد التأكد من هذا الاخير بانتفاء العلاقة مما يجعله في مصاف الغير الحسن النية.
وحيث ان مروان خير الدين ساهم في شركة ال.بي.سي.آي وثلاث شركات شقيقة متفرعة عنها بعد التأكد من انتفاء الطابع السياسي للتلفزيون لجهة دخول مساهمين معروفين في المجال السياسي للتلفزيون لجهة دخول مساهمين معروفين في المجال السياسي والاقتصادي ولم يشارك الا نادرا في اجتماعات مجالس الادارة.
وحيث انه تأسيساً على ما تقدم لم يقم اي دليل جدي يثبت تورط المدعى عليم الثلاثة بجرم اساءة الامانة مما يوجب منع المحاكمة عنهم لهذه العلة.
وحيث انه بالنسبة لسائر الشركات المدعى عليها وعلى ضوء ما صار تفصيله اعلاه فهي تعتبر مسؤولة جزائيا عن اعمال مديريها وفقاً لاحكام المادة 210 عقوبات.
لقراءة كيف تعاطت الصحف اللبنانية والعربية مع القرار الظني في قضية الـLBC؟ اضغط هنا