استوقفتني كلمات السيّد ميشال عون، في إطار حديث من القلب الى القلب بين أبناء الفكر الواحد والمشترك، مع تلفزيون "المنار"، يقول فيه: "وجدت أنّ إيران هي من أكثر البلدان التّي تحترم الأديان الأخرى، وتطبّق بالفعل تعاليم القرآن الكريم من حيث حريّة الأديان وحريّة الممارسة".
لوهلة ظننت أنّه يتكلّم عن فرنسا التي رغم نظامها العلمانيّ اللادينيّ، تؤمّن دستوريّاً حرّية التعبير والمعتقد لمواطنيها، ولمن يقطن أرضها من أجانب. ثم قلت: لا، لا بدّ أنّه يتكلّم على سويسرا التي تقدّس حرّية المواطن، الى حدّ المبالغة أحياناً، وأستطردت في التفكير فقلت: لماذا أحصر فكري دوماً في القارّة القديمة، فربّما هو يتكلّم عن الولايات المتّحدة التي أعطت الضوء الأخضر لبناء مجمّع إسلاميّ حديث وضخم على بعد خطوات ممّا كان يدعى سابقاً مركز التجارة العالميّ؟
وفرحت حين سمعت أن الدولة التي يعنيها هي الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة، الرائدة في ثورة الحريٌات العلمانيّة، والسبّاقة في مبدأ فصل الدين عن الدولة. فرحت إذ أدركت كم كان خطأي كبيراً حين كنت أظنّ أن الدولة التي يقوم على رأسها مرشد يعلو الرئيس، ويفصل في قراراتها ولّي فقيه لا إرادة الشعب، ويستند دستورها الى كتاب دينيّ، لا بدّ أن تكون فردوس الحريّات وموئل المضطهدين الفارّين من أصقاع الأرض طمعاً بقليل من حريّة.
أدركت كم هم كذبة منافقون أولئك الآلاف من الأشخاص الّذين تركوا كلّ ممتلكاتهم في إيران وفرّوا الى أوروبا بسبب الإضطهاد الدينيّ والتمييز بين المواطنين على أساس المعتقد، وتمنّيت لو يسمع الحكّام في الغرب كلمات السيّد عون ليدركوا كم أن خطأهم كبير، وكم أن جهلهم أكبر، ويبدأوا بترحيل أولئك اللاّجئين، ويعيدونهم الى آيران ملاذ الأمان وحريّة.
كم تمنيّت لو يسمع البابا والبطاركة والأساقفة المجتمعين في الفاتيكان كلمات السيّد عون، فيكفّوا حالاً عن اجتماعات السينودس، فلا لزوم لدرس مسألة وجود المسيحيّين في الشرق وخطر زوالهم بوجود دول راقية كإيران تكفل حريّة الدين والإيمان، ولا تفرّق بين مواطنيها على أساس معتقدهم.
ولكن، قبل القيام بهذا، علّ السيّد عون يجيب عن بعضٍ من أسئلة نطرحها:
هل تكفي نزهة صغيرة في شوارع إيران وقمّ، بمعيّة البزدران والباسيج لتعود الى لبنان بامثولة حريّة، وبنظام تدعمه في لبنان؟
تقول أنّك "زرت الكنائس وتحدّثت إلى المطارنة والى الكهنة والى الناس"، بالله عليك، جنرال، أعلم أنّك قادر على الاستخفاف بعقول بعض من أتباعك، تنزل كلماتك عليهم فيؤمنون، ولكن كفّ عن الإستخاف بعقول من لا يؤمنون بكلّ ما تقول، كفّ عن استغبائنا، يكفي محاباة وجوه، يكفي بيع النفس للشيطان، يكفي تضحية بالحقيقة مقابل ثلاثين من فضّة.
لماذا لا تعود متخفّياً الى إيران، دون رفقة البزدران الممتعة، وتسأل "المطارنة والكهنة والناس" ماذا فعلاً يظنّون! على الأرجح هم لن يجرأوا على الإجابة، لأنّ واحة الحريّة التي تبشّر بها ليست موجودة الى في أحلامك، وفي التخيّلات.
لماذا لا تذهب وتسأل عن أحوال القسّ هايك هوشبيان مهر، أو عن القسّ تاتاوس ميكايليان، أو القسّ مهدي ديباج، أو عن القسّ رافانباخ يوسفي، فستعلم أنّ الأوّل قُتل في ١٩ كانون الأوّل ١٩٩٤، والثاني في ٢٨ كانون الأوّل ١٩٩٤، والثالت في ٢٤ أيار ١٩٩٤، والرابع في ٢٨ أيلول ١٩٩٦.
لماذا لا توضح لنا لماذا قتل القسّ غوربان طوران أمام منزله، وبطريقة وحشيّة في ٢٢ تشرين الثاني ٢٠٠٥.
لماذا لا تسأل عن السيّدة فاطمة باسنديده، زوجة القسّ يوسف نادارخاني، التي أوقفت في ٨ حزيران ٢٠١٠ وحُكمت بالسجن المؤبّد بجريمة الإرتداد عن الدين في محكمة رشت الثوريّة؟
إن كانت إيران مرتع الحريّة الدينيّة، فلماذا يقبع القسّ يوسف نردخاني في السجن مند ١٣ تشرين الأوّل ٢٠٠٩ بسبب اعتراضه على فرض التعليم الدينيّ الإسلاميّ على الأطفال المسيحييّن؟ ولماذا لا يزال القسّ بهروز سادغ كاندجاني معتقلاً في الزنزانة ١٠٠ من سجن الشرطة السياسيّة في شيراز، حيث دعي الى جلسة مناقشة يشرح فيها نشاطات كنيسته؟ كم هي كثيرة هذه النشاطات، إذ لا يزال يشرحها حتّى اليوم!
كيف تتكلْم عن حريّة المعتقد، وهذه الحريّة تتضمّن حكماً حريّة تغيير الدين؟ كيف تكون هذه الحريّة مكفولة إن كانت عقوبتها الإعدام، السجن المؤبّد أو الجلد بأحسن الأحوال على أن يعود الفرد المعنيّ الى دينه الأوّل؟
كيف تتكلّم عن احترام الأديان والتقاليد الأخرى، إن كانت المسيحيّات مجبرات على ارتداء زيّ لا يمت الى تقليدهنّ بصلة تحت طائلة العقوبة؟
عد الى إيران واسأل عنهم، فلكل واحد منهم اسم، وعائلة، وأحلام ومشاريع. لكلّ واحد منهم ماضي، وكلّهم فقدوا المستقبل. إسأل عنهم، قبل أن تتفوه بأحكام تحابي الوجوه يغيب عنها ضوء المنطق والضمير.
بالله عليك لا تستعمل مسيحيّي إيران من أجل أهدافك، فيكفيك مسيحيّي لبنان.
إسأل عنهم، واسأل ايضاً عن الكثيرين غيرهم، فما أدرجناه هنا هو القليل ممّا سمعناه، وقرأناه، ووثّقناه، هي حالات صليّنا من أجلها، وتمنّينا لو يرتفع الصوت قليلاً، علّ حالة إخوتنا في إيران تتحسّن ولو قليلاً، فكانت نتيجة انتظارنا حديثك الفارغ من كلّ حقيقة، وتقول "كمسيحيّ يزور إيران، فقد شهدت للحقّ".
لا لم تشهد للحقّ، لقد شهدت لنظام تدعمه على حسابات أقليّات تتألّم.