#adsense

يمضي عقوبته في درس العلاقات الدولية رافضاً “ثقافة” الجريمة… بجق ينتقل من رومية إلى حفل تخرّجه في اليسوعية

حجم الخط

كتبت روزيت فاضل في "النهار": بدأ العد العكسي لفتح باب زنزانة الطالب ايلي بجق (27 عاما) في سجن رومية لينتقل منها، لبضع ساعات فقط الى "سجن الحياة". فعند الساعة 11:30 قبل ظهر غد السبت يتوجه الى حرم العلوم الطبية التابع لجامعة القديس يوسف حيث يسلمه رئيس الجامعة الاب رينه شاموسي وعميد كلية الآداب والعلوم الانسانية الدكتور جرجورة حردان اجازة في اختصاص العلاقات الدولية من قسم التاريخ في الكلية. ولن يكون الحفل الذي يحضره وزير الداخلية والبلديات زياد بارود بعيداً عن الأضواء الإعلامية لأن الطالب المحكوم لمدة طويلة تابع بنجاح هذا الإختصاص بعدما اخذت الجامعة على عاتقها منذ اربع سنوات، عبر دائرة الخدمة الإجتماعية فيها مرافقة الشاب المسجون في رومية وتأمين دروسه الجامعية في السجن على ايدي اساتذة من الجامعة.

مشوار الألف ميل
كيف رسم القيمون على هذا المشروع "خريطة الطريق" لينال بجق العلم ولو… في سجن رومية؟
يعود الفضل في هذا الاإنجاز الأكاديمي الى ثالوث متكامل: جامعة القديس يوسف، جمعية "عدل ورحمة" وآمر السجن، فضلا بالطبع عن ارادة الشاب المحكوم الذي امضى في السجن 7 سنوات والباقية امامه 11 سنة ليكمل عقوبته.

قنوات اتصاله بالجامعة بدأت تفتح عندما سلم شقيقه دانيال كتابا الى مديرة دائرة الخدمة الإجتماعية كرمل غفري واكيم، ونشرت احدى مجلات الجامعة مضمونه كالآتي:
"أقدم نفسي لكم، انا ايلي بجق، دخلت الحبس الرئيسي في سجن رومية في 2004/2/15. كنت في حينها ادرس الرسم التخطيطي في الجامعة الأميركية للعلوم والتكنولوجيا.
وساقني الواقع الجديد الذي فرض نفسه علي الى سلوك درب بائسة تترجم اليوم في بقائي في سجن رومية. ادركت بعد دخولي السجن ان من الصعب علي الإستمرار في تحصيلي العلمي. لذلك راودتني فكرة الإنتساب الى جامعتكم الموقرة. ارى ذلك ممكنا لانه سبق لي ان التحقت بمدرستين تتبعان نهجا فرنكوفونياً".

ويكمل بجق رسالته مثيرا موضوع الإختصاص الذي اختاره. ويقول: "اميل الى دراسة علم النفس منذ زمن بعيد وارغب في تعميق دراستي في هذا الإختصاص. احاول من خلال رفع طلبي هذا الا اكون أسير ثقافة السجن ولا ثقافة الجريمة. لكن تكاليف الدراسة تشكل العائق الرئيسي امام انتسابي الى الجامعة. انا الإبن البكر لعائلة من ثلاثة اولاد. فقدت والدي منذ خمسة اعوام وكنت اعمل في ذلك الوقت لتوفير بعض الدخل لي وهذا ما لم يعد ممكنا في السجن. انتم تعرفون شقيقي دانيال الذي يكمل دراسته في جامعتكم. وتتكبد والدتي وبصعوبة اعباء دفع تكاليف قسط مدرسة اخي الصغير جيرامي".

ويختم كتابه قائلا: "ادرك تماما انني اطلب منكم الكثير ربما، لكن وضعي يقارب حافة اليأس. انطلاقا من ذلك، اناشدكم بالإنسانية وبالكرم الذي عرفتم به ان تعطوني الفرصة لتحصيل علمي في جامعة القديس يوسف".

لم تتردد واكيم في رفع طلبه الى مجلس الجامعة الذي بادر بالموافقة. وفتحت "الستارة" على مرحلة جديدة من حياة بجق. تقول واكيم في حديث الى "النهار" ان "دائرة الخدمة الاجتماعية توفر الدعم المالي لـ3100 طالب سنوياً يعانون صعوبات في دفع قسطهم لان الجامعة لا تقبل ان يشكل العائق المالي رادعا لتحصيل العلم لأي شاب طموح".

كيف تم تسجيل بجق؟ تجيب: لقد استأذنا رئيس الجامعة وتوجهنا لتسجيل بجق في سجن رومية. كنا نساعده في اختيار اختصاص واراد ان يكون في شعبة العلاقات الدولية في قسم التاريخ بكلية الآداب".

وتشدد على النظرة الانسانية التي ترافق العمل مع السجين. فتقول: "عملنا مع سجين آخر اسمه طوني تابع دراسته بدوره في السجن وخرج منه ليبني مستقبلا مهنيا وعاليا واعداً جداً. الطالب في السجن يتمتع بكل الحقوق التي يحظى بها اي طالب في جامعتنا، علما ان يوميات المحكوم في سجن رومية صعبة ويدرك الرأي العام بعض تفاصيلها".

اما المتابعة الاجتماعية في دائرة الخدمة الاجتماعية روزي رامي فتحدثت الى "النهار" عن متابعتها يوميات المحكوم الذي شعر بأن حياته بات لها معنى آخر بعد انتسابه الى الدراسة". وتصفه بانه "شاب ذكي، مثقف، طموح وحساس، يتقن الفرنسية والانكليزية بطلاقة لافتة. ويتميز بارادة ترفض الاستسلام للامر الواقع. يمارس في وقت الفراغ الرسم والكتابة وصناعة الحلي الجميلة (المقلدة طبعا). ويتابع ايضا العمل في المشاغل الفنية المتوافرة في السجن لصناعة الاجمل".

لماذا اختار بجق درس التاريخ؟ تجيب المديرة السابقة لقسم العلاقات الدولية في دائرة التاريخ في الكلية الدكتورة كريستين بابكيان عساف بأنه اختار هذا الاختصاص لأنه "مدمن" النبش في التاريخ ومراحله. وتضيف: بدأنا توفير الحصص الدراسية له من خلال تزويده نسخا عن المواد التي تعطى في مجمل الصفوف. كنا نقصد السجن لاعطائه المادة، وهو كان يدرس عندما تسمح له الظروف، فهو قابع في غرفة سجن ضيقة تضم سبعة سجناء. كان ينتظر الليل ليبدأ الحفظ او قراءة المادة او مجرد المطالعة ويخضع للامتحان في قاعة خاصة في السجن. والمهم ان بعض الاساتذة أبدوا استعدادهم لتقديم بعضا من وقتهم طوعا لمتابعته في السجن. وهو يرغب في متابعة درسه لنيل شهادات عليا، ماستر ودكتوراة في العلاقات الدولية من جامعتنا وسندعم هذا المشروع. من حقه ان يبني مستقبلا يسهل له الانخراط في المجتمع بعد خروجه من السجن".

كيف تتابع جمعية "عدل ورحمة" المحكوم في السجن؟ يجيب رئيس الجمعية الاب هادي العيا بأن الجمعية تتابع المساجين وتعمل على اعادة تأهيلهم من خلال برامج نفسية واجتماعية وحقوقية وصحية خاصة. ويقول عن بجق: "ايلي شاب يتمتع بشخصية قوية. أنوه به كثيرا لأنه لم ينجرف في عالم المخدرات وحبوب المخدر التي تنتشر بكثافة في زوايا سجن رومية. استطاع ان يكون قويا ومتماسكا على رغم ضيق مساحة الزنزانة التي يعيش فيها. والمشاغل التي يمضي فيها بجق بعضا من وقته لا يمكن ان تكون في مستوى آمال شاب وطموحه. وهو يتميز بقدرته على تعليم الرسم لرفاقه في السجن".

وعن عقابه يقول: "يحمل بجق في داخله الكثير من الاسى. التحصيل العلمي الذي قام به هو حافز للمثابرة لكنه لا يلغي الوجع الذي رافقه ويرافقه كل يوم. يخشى كثيرا السنوات التي يجب ان يكملها داخل السجن. يخافها كثيرا. ويلفت العيا الى ان "طلب العلم هو حق للسجين ويجب ان يكون متوافرا بسهولة لمجموعة منهم ليكون ضمان انطلاقتهم مجددا بعد خروجهم الى الحياة".

ولم تكتمل عناصر التحقيق الا بزيارة عائلة بجق في منطقة عين سعادة. سهل لنا وسيط الحديث اولا مع والدته على الهاتف وبدت على مستوى عال من الثقافة والعلم. وتوجهنا الى المنزل الذي تسكنه الصور: صورة الاب الغائب وصور تجمع العائلة في أوقات سعيدة مضت. تبادر الوالدة في الحديث عن مواهب ابنها في الرسم وتدخل غرفة في الجانب الآخر من المنزل لتأتي ببعض لوحاته. تتحدث عن لوحة بورتريه أرادها بجق فرحة جدا ترمز اليه وهو في الاربعينات يعزف على آلة ساكسوفون. وتعكس اللوحات الاخرى شخصية المحكوم عليه، فهو في لوحة مجرد سراب رجل يمسك مكنسة ويحاول جاهدا ان يزيل التراب من الصحراء. وتتابع الأم وصف ابنها فترى فيه شابا ذكيا ومحبا وحساسا ويتميز بثقافة واسعة جدا. وتقول انها لا تميل الى تبرير ما حصل. وقد مر ابنها في حينها بوقت صعب جدا أوصله الى نهاية درامية ومأسوية. تمسك الوالدة صورة ابنها وتقول "ايلي يملك شخصية فيها الكثير الكثير من الكاريسما. الكل يحبه. الكل يسأل عنه. ويزوره بعض أصدقائه في السجن".

وتتمالك نفسها لتقول انها تتحدث عن ابنها دائما مع القريبين، وانهمك دائما بشراء لوازم صناعة الـ"فوبيجو" من بعض المتاجر ليصنع الاجمل منها ويقدم لي عقدا او قلادة معدنية جميلة جدا". وتنتقل في الحديث الى زيارة السجن لتقول انها تشعر ببعض التعب من الزيارات التي لا تخلو من الانتظار الطويل أحيانا "أحمل معي الثياب والاغراض وحتى الاكل للقاء ابني. كنت في بداية سجنه أتحدث اليه عبر الهاتف وأراه من خلال حاجز زجاجي. أما اليوم فنلتقي وجها لوجه. أستطيع ضمه ورسم قبلة على جبينه وهذا يفرحني. ابني يعاني ضغط الدم وبعض عوارض داء المفاصل ونوبات الشقيقة، ونعمل على توفير الادوية المناسبة لما يعانيه".

غادرنا البيت وفي البال سؤال عما سيكون مضمون كلمة المتحدثين يوم السبت، وبعض المصادر أكد لـ"النهار" ان كلمة الطالب المتخرج ستتضمن طلبا لتخفيف مدة العقوبة، فهل يكون لها صدى عند المسؤولين؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل