مع تأييدنا لمبدأ زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الايراني محمود احمد نجاد الى لبنان وللقائه الرؤساء الثلاثة وتلبيته لدعوات الغذاء والعشاء على موائدهم والخطب الهادئة والمتوازنة للرئيس نجاد امام مستقبليه الرسميين، الا اننا نشجب التجاوزات والظواهر الخطيرة التي رافقت الزيارة في محطات عدة، ونتوقف عند ابرزها:
اولا: الاستقبال الشعبي باكثرية اللون المذهبي الواحد: فنحن نفهم ان يتهافت الناس على استقبال زعيم روحي مقدس ارض لبنان كما حصل حين استقبال قداسة الحبر الاعظم المغفور له يوحنا بولس الثاني الى لبنان – وكان استقباله يومها استقبالا شعبيا لبنانيا وكزعيم روحي عالمي لا كرئيس دولة الفاتيكان ذات السيادة – اما في استقبال رئيس دولة فان الارشيف اللبناني لم يسجل هكذا حالات شعبية في استقبال رؤوساء دول طالما ان الرئيس نجاد على حد علمنا لا يتمتع بصفة دينية او روحية شخصية.
ونتساءل عما كان سيكون موقف "حزب الهى" وحركة "امل" لو ان قسما من الشعب اللبناني نزل الى الشوارع لاستقبال الرئيس سركوزي او الرئيس باراك اوباما او خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله او اي رئيس دولة اجنبية تربطها بهؤلاء اللبنانيين روابط تعاطف تاريخية او حضارية او تراثية او سياسية او دينية، كما تربط الجمهورية الاسلامية الايرانية بـ"حزب الله" وقسم كبير من شيعة لبنان؟
فانطلاقا مما شهدناه في استقبال الرئيس نجاد وفي تحليل اولي للظاهرة الشعبية المتدفقة حوله نستطيع الاستنتاج بأن قسم من الشعب اللبناني يعتبر الرئيس نجاد رئيسا سياسيا له يأمن لهذا القسم من اللبنانيين الغطاء السياسي لوجوده الشاذ في المعادلة اللبنانية الداخلية – ونخشى ان تكون الاشارات التي اطلقت في خلال زيارة نجاد مؤشرات الى وجود منطق خطير على كيان لبنان ووحدته واستقلاله الا وهو منطق العودة الى نظام الحمايات الاجنبية للبنانيين وهو جزء اساسي من المسألة الشرقية المزمنة.
ان عقارب الساعة مع "حزب الله" خاصة يمكن ان تعود الى الوراء الى زمن نظام المتصرقية ونظام جبل لبنان ولبنان الصغير وحماية الاقليات المشرقية حيث كانت لكل طائفة دولة اجنبية نصيرة لها وحامية لوجودها في هذا البلد وهذا الشرق – والا فما معنى ان يفهمنا "حزب الله" ومعه نجاد هذا الغلو في استقبال الرئيس الايراني شعبيا الى حد لم يسبق له مثيل حتى لرئيس لبناني حليف لخط "الحزب" وسياسته ؟؟
كنا نعلم حتى الامس القريب ما للعلاقات بين "حزب الله" وايران من ترابط وثيق ولكن كنا لا نزال نعول على فسحة لبنانية تتيح لنا التوافق معه على الحد الادنى من المصالح اللبنانية المشتركة – اما اليوم وبعد ما شاهدناه من دعم شعبي منقطع النظير لرئيس الدولة الايرانية فاننا نتساءل ومن حقنا التساؤل عما ستحمله هذه النتائج على صعيد ترسيخ الكيانية اللبنانية لدى قسم هام من اللبنانيين…؟
ثانيا: كان من الاجدى للرئيس نجاد ان يبقى حاصرا زيارته الرسمية من دولة الى دولة وان يرسل احد وزرائه او مسؤوليه الرسميين الى بنت جبيل للقاء جماهير المقاومة التي يؤمن بها – فالصورة التي ارتسمت في بنت جبيل كما في الضاحية الجنوبية لم تكن براقة مع اتقان الرئيس نجاد توزيع المواقف تبعا لظروف كل مناسبة. كما كان الاجدى له الا يسمح لنفسه باعتبار لبنان خط المواجهة الاساسي الوحيد في المنطقة بل ان يعمل ويعلن اقله بأن ايران وسوريا هما الخط الوحيد الرئيسي للمقاومة. فتدخله في الشأن اللبناني بترسيم دور ووظيفة لبنان شكل ليس فقط اهانة للشعب اللبناني والدولة اللبنانية بل وبخاصة خرقا للاعراف الدبيلوماسية والدولية في زيارات الدول والتكلم في شؤونها الداخلية من خلال الزامها بخط سياسي ليس ثمة توافق داخلي عليه لا بل هو في اساس الصراع السياسي الدائر حاليا في لبنان.
وفي هذا السياق كم كنا تمنينا ان يطلب نجاد لقاء قوى "14 اذار" ليثبت اولا فعلا لا قولا مقولة سفيره في بيروت ان ايران تقف على مسافة من جميع اللبنانيين (تماما كما الحليف السوري ومقولاته الشهيرة غير المقترنة باداء واقعي على الارض). وليحاول الرئيس نجاد لعب دور توفيقي بين اللبنانيين يساعد فيه الرئيس ميشال سليمان واركان الدولة في ايجاد قواسم مشتركة بين اللبنانيين – لكن للاسف لم يعد هناك بين زعماء اليوم في العالم من يريد دخول التاريخ من باب الانجازات الطيبة التي يحفظها لهم الناس …
فالرئيس نجاد اعطى "حزب الله" جرعة اضافية من التصلب والتمنع والممنعة ضد لبنان الدولة والشعب – وثبت ثلاثية تذوب في اقنومها الثالث "المقاومة " بحيث جعلها هي اساس سياسة لبنان الخارجية وضرب عرض الحائط بالتوازنات الداخلية والتعددية الديمقراطية.
اذا كان الرئيس نجاد حرا في الانحياز الى جماعته في لبنان (ونقولها بأسف الامر الواقع ) الا انه ليس حرا في تقرير ما يجب ان يكون عليه لبنان في خضم الصراع الاقليمي الدولي بين ايران والعالم.
ثالثا: ان زيارة الرئيس نجاد ثبتت بصورة شبه اكيدة اعادة ربط لبنان بازمات المنطقة، انطلاقا من اعتبار لبنان والجنوب ارض ايصال الرسائل الى اسرائيل ومن خلالها الى الولايات المتحدة الاميركية والغرب. فعلى مسار تاريخ لبنان السياسي الحديث لطالما كانت غاية اللبنانيين فصل لبنان عن ازمة المنطقة المحصورة بالازمة الفلسطينية بعدما دفع لبنان عن كل العرب من نظامه وامنه واستقراره وسيادته واستقلاله اغلى الاثمان. اما اليوم، فان لبنان عاد ليربط ليس فقط بالازمة الفلسطينية بل بكل الازمات الاقلمية في المنطقة واولها ازمة ايران مع المجتمع الدولي وازمة سوريا مع الغرب فضلا عن القضية الفلسطينية في ظل التجاذب بين التسويات وبين الخيارات الاكثر راديكالية.
فلبنان بات خير ساحة للقوى الاقليمية والدولية المتناحرة وبين هذا وذاك تضيع الهوية اللبنانية ويعود اللبنانيون الى شد الحبال والتقاتل لا سمح الله … وتدمير الدولة والمؤسسات. فهل هذا هو السيناريو الذي كلف "حزب الله" باعداده وتنفيذه بعد زيارة نجاد؟
