إلى متى يظلّ لبنان ساحة مفتوحة لصراعات المحاور؟
الزعماء مدعوون للاتفاق على صيغة حياد تحميه
إلى متى يظلّ لبنان ساحة مفتوحة لصراعات المحاور بمختلف هوياتها وأهدافها، واللبنانيون يتحملون نتائج هذه الصراعات وعواقبها؟ أليس في إمكان الزعماء على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم التوصل الى اتفاق على صيغة تحمي وطنهم من حروب الآخرين على أرضهم ولا تجعله الجبهة الوحيدة المفتوحة لتحرير كل ارض محتلة و"مكباً" لكل مشكلات المنطقة والخط الاول لمقاومة كل عدو؟
الواقع ان لبنان تحوّل منذ 1943 ساحة مفتوحة لصراع عربي ودولي على ارضه باسم التخلص من الانتداب الفرنسي والحصول على الاستقلال، فانقسم اللبنانيون بين من يرفع صورة هذا الزعيم الاجنبي وذاك الزعيم وصورة هذا الزعيم اللبناني كونه وطنيا وانزال صورة زعيم آخر كونه "خائنا". وفي العام 1958 فتح الزعماء اللبنانيون ارضهم لصراع بين "المحور الناصري" و"حلف بغداد" وانقسم اللبنانيون بين المحورين وبلغ هذا الانقسام حد الاقتتال وتحمل الخسائر البشرية والمادية. ثم كان الانقسام الاشد عندما وقف طرف منهم الى جانب العمل الفدائي الفلسطيني الذي اتخذ جنوب لبنان منطلقا له، فدفع ابناؤه ثمناً غالياً. واصبح لبنان الجبهة الوحيدة المفتوحة ضد اسرائيل ليس لأجل تحرير ارضه المحتلة، بل ايضا لاجل تحرير اراضي الآخرين، فكانت الحروب الداخلية في لبنان التي ظل يتفرج عليها الآخرون طوال 15 سنة ولا مساعدة منهم إلا بالمال والسلاح لاذكاء نارها… وها هم ينقسمون حاليا بين من هم مع المحور الايراني ومن معه، ومن يناهضون هذا المحور، ليعود لبنان ساحة مفتوحة للصراع بين هذين المحورين وليواجه مرة اخرى ويلات حروب جديدة، بعد اعلان لبنان جبهة مقاومة وخط دفاع اول في وجه اسرائيل حتى ولو تعرض وحده للدمار والخراب، بعد تحويله ثكنة عسكرية ومستودعاً لمختلف انواع الاسلحة… فصار اشبه بسيارة ملغومة…
لقد تساءل سياسي مخضرم أما حان للزعماء اللبنانيين ان يلتقوا على صيغة توحدهم وتحمي الوطن من مخططات ومؤامرات تقسيمهم وتفريقهم، وتحويل ارضهم ساحة لصراعاتهم؟ أولم يتعبوا ويتعب معهم الشعب من الحروب ومن احصاء عدد القتلى والجرحى وحمل الجثث؟ أليس من الخيانة إن لم يكن من الوقاحة إبقاء لبنان ساحة لحروب ابنائه ولحروب الآخرين على ارضه بحيث ان اسرائيل تهدد من حين الى آخر بتدمير لبنان بكامله في حرب مقبلة، في حين تهدد ايران بازالة اسرائيل من خريطة الشرق الاوسط انطلاقاً من لبنان وبواسطته؟
إن لبنان يواجه اليوم كما واجه في الماضي صراع محاور ناجم عن نزاع عربي – اسرائيلي لم ينته حتى الآن لان اسرائيل ترفض السلام الشامل والعادل في المنطقة، وناجم ايضا عن ازمة الملف النووي الايراني وسعي ايران الى توسيع نفوذها في المنطقة وإن على حساب العرب، فعينت نفسها قائدة في مواجهة اسرائيل، وما قول غير قيادي في "حزب الله" إن اي ضربة لايران قد تشعل المنطقة سوى احد نماذج ما ينتظر لبنان الساحة…
لذلك، فإن مسؤولية حماية لبنان من حروب داخلية وخارجية تقع على عاتق الزعماء اللبنانيين وعلى عاتق اهل الحكم فيه وهذا يتطلب العودة الى تنفيذ النقاط السبع وتحديداً تنفيذ القرار 1701 بكل مندرجاته وسد الذرائع وتفعيل مصادر الحماية العربية والدولية، وان هذه الحماية ينبغي ان تتجسد في مؤسسات الدولة الشرعية وليس خارجها. واذا كان الصراع بين اركان قوى 14 آذار واركان قوى 8 آذار هو صراع على السلطة، فإنه في الواقع صراع بين مشروعين وبين خطين متعارضين، اي بين من يريد ان يكون لبنان ساحة صراع لهذا الخارج او ساحة صراع لذاك الخارج، في حين ينبغي الاتفاق على ان يكون لبنان خارج كل الصراعات من دون ان يخرجه ذلك من محيطه العربي شرط ان يكون مع العرب وهم متفقون وعلى الحياد وهم مختلفون، لا ان يكون منحازاً لطرف ضد آخر، وهذا هو المعنى الحقيقي للحياد الايجابي الذي كان النائب وليد جنبلاط من مؤيديه بقوة، ويمكن حماية هذا الحياد برعاية عربية ودولية. فالنائب جنبلاط قال مرارا وبمقالات له ان "الحياد الايجابي مدخل لاستقرار لبنان"، و"الا يكون ساحة بل دولة مثل سائر الدول لا يتم استخدامه لتصفية اية صراعات اقليمية او دولية على ارضه". فليته لم يتراجع عن موقفه هذا كما تراجع عن مواقف اخرى لاعتبارات كثيرة قد تعنيه شخصيا او تعني طائفته، اما تراجعه عن دعوته الى الحياد الايجابي للبنان فهو تراجع عن موقف وطني مهم. فاذا كان لبنان كما يقول البعض هو جزء من العالم العربي ولا يستطيع الانفصال عنه او تحييد نفسه، فان الحياد الايجابي لا يجعله كذلك عندما يكون لبنان جاهزاً للوقوف مع قضايا العرب وضد اعدائهم ولكنه غير مستعد لان يقف معهم وهم منقسمون لئلا يصبح طرفاً ويدفع الثمن، وغير مستعد ايضا لان يجعل ارضه الساحة الوحيدة للمواجهة كما حصل حتى الآن وعلى مدى سنوات، وبدون اعتماد هذا الحياد الذي يمكن البحث في الصيغة المقبولة له، فان لبنان سيظل ساحة مفتوحة للصراعات وسيظل اللبنانيون منقسمون بين مؤيد لهذا المحور او ذاك وهو انقسام دفع الشعب ثمنه غالياً بشرياً ومادياً. فعندما يكون يحق لطرف لبناني ان ينحاز الى محور عربي او اقليمي او دولي كي يستقوي به على الطرف الآخر، فانه يصبح من حق هذا الطرف ان ينحاز الى محور يواجه به المحور الآخر وإن دفاعاً عن النفس…
لا شيء اذاً يحمي لبنان سوى الاتفاق على صيغة تحقيق هذه الحماية وتخرجه من دائرة الصراعات المحلية والعربية والاقليمية والدولية، سواء كانت هذه الصيغة حياداً او تحييداً، او كما نكرر على لسان الكثيرين مسؤولين وسياسيين ألا وهو جعل لبنان مركزاً "لحوار الحضارات والاديان والثقافات" فلبنان هو بلد استقلاله وسيادته مرتبطين بوحدته الداخلية وتنوعه رهن بالتواصل اذ من دونه لا يكون التنوع مصدر غنى بل مدخلا الى الصراع الاهلي، والاعتدال في لبنان هو خيار ديمومته والتطرف هو خيار نهايته.