.. ويبقى السؤال الذي يشبه الشعار. الذي يشبه التعويذة اليومية لعموم اللبنانيين في الوطن والمهجر. الذي يشبه شيئاً أبعد من القلق المعتاد. الذي يشبه الخبز اليومي، قهوة الصباح وغفوة الظهر واستراحة المساء. الذي يشبه تنفّس الهواء وكرع الماء وصباح الخير. الذي يشبه كل عادياتنا بكل تفاصيلها وتفاصيل تفاصيلها: "متى" الحرب؟
كان كثيرون من عباد الله الساعين الى رزقهم وعيشهم يأملون أن يتطور الأمر قليلاً باتجاه آخر. أي أن يصبح السؤال كالآتي: "هل" هناك حرب؟ وأين؟ وبين من ومن؟ لكن ذلك لم يتحقق. وبقيت الآمال معلقات في الهواء لا تسقط على يقين ولا تتبخّر لوحدها، إلا لتنتج قلقاً فوق قلق، يقيم بدوره على صخر لا تزحزحه كل رياح الدنيا.
وهذه الموصوفة حرباً، هي ذات بعدين: الأول يتعلق بإسرائيل، والثاني يتعلق بالمسلمين، أي بتلك التي يقال أنها الفتنة المكتومة والمكبوتة والمقموعة والنائمة في كوما منذ أيام الأوائل الكبار.
ولا بأس من كلام سريع عن الشق الأول، والقول ان بعض كبار القوم عندنا يتوقع أن تشن إسرائيل حرباً على لبنان أو على غزة أو على الاثنين معاً في أي لحظة. طالما ان الاستعدادات إكتملت أو تكاد. وطالما ان الانتظار لا يطال الى الحصول على ذريعة(؟). وذلك البعض من كبار القوم يبني سياسته الراهنة فوق أساسات ذلك التوقع: إذا كانت الحرب الإسرائيلية شبه حتمية، فلنحاول معاً ضبضبة ما أمكن من أحوالنا. ودفع الخلافات الساطعات المشعّات في شأنها الى أبعد مكان ممكن أو تأجيلها إذا أمكن. المهم ايجاد الحد الأدنى من التماسك الذي يساعد ويعين عبد المعين وعياله على تحمل اللظى الآتي من جهة الجنوب وجنوب الجنوب… لكن عبثاً تحاول!
.. في الشق الداخلي، الأمر أصعب وأمرّ وأسوأ وأزنخ. حيث لم تغيّر زيارة نجاد شيئاً من الاصطفاف وحدّته. ولم تغيّر شيئاً في مواقف المعنيين من القضية المحورية الراهنة أي المحكمة الدولية ومتفرعاتها.. من نوى وينوي على اختراع "رديف" لها، لم يغيّر في نيّته. ولا يزال يعتبر ويرى ان قصة ما يسمى "شهود الزور" هي الأساس ولا يوجد شيء آخر يستحق النظر والضنى والسؤال والاستنفار والاستكبار. كما ان شيئاً أياً يكن، حتى لو كان من نوع زيارة الرئيس الإيراني، لن يمنع استمرار حملة التصعيد والتعبئة والضخ والطخّ بالمليان: المهم أن يبقى الجميع مقيماً على حافة "الحزورة" المعهودة حيال ما ننوي أن نفعله بهم. لأنهم أدوات لماعة شمّاعة للمشروع الهاجم على المقاومة والممانعة في كل بلاد العرب والمسلمين تحت لافتة "العدالة"!
..هدوء مؤقت نعم. لكن الاسترخاء ممنوع حتى يصيح الديك معلناً ساعة الصفر لبدء تنفيذ المخطط الموضوع!
لا بأس بكل هذا. ولا بأس بعد هذا بقليل، ان رُميت أطنان من المواقف المحذّرة من "كيد الأعداء وتآمرهم". وان رُميت فوقها أطنان مضاعفة من الكلام المحذّر والمنذر من الفتنة وأفاعيها.. فهذا شيء و"نحن" شيء آخر. وما يُقال لا يطالنا إنما يطال "الأغيار": حيث عدالتهم هي الفتنة. وحقهم هو الفتنة. وشعارهم "لبنان أولاً" هو الفتنة. واقامتهم على يقينهم بالسيادة والحرية هي الفتنة. وسعيهم الى الدولة ومشروعها هو الفتنة. وبحثهم عن هموم الناس والسعي الى معالجتها هما الفتنة.
أما نحن فيكفينا من ذلك، اننا "نحذّر" من تلك الفتنة، وما سنفعله لاحقاً، ليس إلا قطعاً لرأسها.. بعد إيقاظها حتماً على أيادينا المقاوِمة والممانِعة!!