اتصل بي صديق لبناني، له باع طويل في القضايا العامة، سائلاً عن هذه التعبئة الشعبية الهائلة والضخمة التي قام بها "حزب الله" في استقبال الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد، مستغرباً هذه الظاهرة، خصوصاً أن المعبئين هم بأكثريتهم من لون مذهبي واحد.
كان على الصديق المتصل أن يدرك أن هذا ليس مستغرباً، إذ أن ايران منذ عام 1989 وحتى تاريخه كلفها "حزب الله" حوالى الثلاثين مليار دولار عدا السلاح والعتاد، وهي اليوم تدفع للمعارضة بجميع فصائلها، بما فيها "التيار الوطني الحر" الذي أنشأ تلفزيوناً له بتكلفة مائة مليون دولار، وكان الرئيس الايراني حريصاً على الاجتماع مع أقطاب المعارضة على تعدد مذاهبها وتوجهاتها.
… لقد كانت الزيارة ذات وجهين، الاول، هادئ وموضوعي وعقلاني، تمثل بخطاب الرئيس الايراني في القصر الجمهوري، والثاني، تعبوي حماسي ثوري في خطابه في بنت جبيل، وفيه توقع زوال اسرائيل من الوجود، في وقت كانت طائرات العدو الاسرائيلي تحلق في سماء المهرجان.
وسرعان ما استغل الاسرائيليون كلام الرئيس الايراني، وبدأت حملاتهم الاعلامية دولياً، محاولين أن يلعبوا دور الحمل الوديع المهدد بالذبح.
نذكر هذا مقارنة بما نسب الى أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية المرحوم احمد الشقيري قوله في ستينيات القرن الماضي بأنه سيرمي اليهود في البحر، وحينها أقامت اسرائيل الدنيا ولم تقعدها استناداً الى هذه المقولة، وكسبت تعاطف الرأي العام العالمي معها، الذي ضلله الاعلام الصهيوني، وأقنعه بأن العرب يريدون رمي اليهود في البحر.
… قد تكون مناسبة في هذا المجال للحديث عن المحكمة الدولية، وقد ألمح إليها الرئيس الايراني بشكل مباشر وغير مباشر، وهنا بيت القصيد، وسبب التوترات في لبنان.
إذ يجدر بنا ويفترض انتظار القرار الظني الذي سيصدر عن المحكمة الدولية، فإذا كان موضوعياً ومقنعاً ومستنداً الى أدلة مادية ملموسة وحسية فلا يجب الاعتراض، ولن يكون هناك أي مشكلة، أما إذا تبيّن أنه غير مقنع، وبلا أدلة، وتشوبه ثغرات، فإن الرئيس سعد الحريري، وكما قال وكرر مراراً، لن يقبل به، وبمعنى أو بآخر فإن تسييس القرار الظني سيكون حكماً ناتجاً عن محكمة مسيّسة، وهذا مرفوض من قبل فريق 14 آذار.
وانطلاقاً من هذا، لا لزوم لهذا الضجيج المثار اليوم، بل يجب الابتعاد عن التجييش والتأزيم، لأنه في غير مصلحة الوطن والمواطنين، والافضل انتظار صدور القرار ليبنى على الشيء مقتضاه.
مع الاشارة هنا الى أن المحكمة الدولية هي شأن لبناني داخلي، والرئيس محمود احمدي نجاد يعلم هذا تمام العلم.
وفي المحصلة، لا يستطيع أحد التقليل من أهمية زيارة الرئيس الايراني الى لبنان، ولكن، أملنا أن تغيّر ايران من سلوكها، وبالتالي من انحيازها الى فريق لبناني ضد آخر، بل عليها أن تكون على مسافة واحدة من الجميع.