هل صحيح ان زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الى لبنان قد جاءت بالمن والسلوى بنسبة ما حرمته من نوم على العدو الاسرائيلي فيما قيل وبشكل اجماعي ان معدل الكلام العاطفي عند نجاد فاق التوقع، لكنه لم يصل الى مقاربة الاشياء العملية المختلف عليها؟!
قيل بداية ان الرئىس الايراني جاء للمساعدة ربما بوحدانية المقاومة في لبنان (…) ولا اشارة صدرت عنه بالنسبة الى ما اذا كان من الافضل له شخصياً وللثورة الاسلامية في ايران وغيرها البحث في وسائل تكريس وحدة المقاومة ضد العدو الاسرائيلي في لبنان وغيره؟!
ان تعاطف ايران بالمعنويات والماديات مع حزب الله عموماً والمقاومة الاسلامية في لبنان خصوصاً، لم يقدم بدائل لخلاف لبناني كبير على اساس الحكم واساس الاستراتيجية السياسية والدفاعية، الا اذا كان الرئيس الدكتور الذي جاءنا من بلاد فارس مقتنعاً بقدرة اللبنانيين وحدهم على خوض حرب قد تحرق اخضرنا ويابسنا، بما في ذلك من قضاء على مفهومين ونهجين: مفهوم الدولة الواحدة او مفهوم الدولة المنقسمة على ذاتها، بما في ذلك مفهوم افراغ الدولة من محتواها الدستوري والقانوني، لأن فيها فريقاً غير قادر على اثبات وجوده مقابل فريق آخر يلوح له على مدار الساعة بأن الانقلاب آت لا محالة؟!
اما النهجان اللذين لم يأت نجاد على ذكرهما في طلاته الجياشة، فهما البدائل التي يقترحها على اللبنانيين كي لا يكونوا بين نارين، نار اسرائيل المدعومة من اميركا والمجتمع الدولي. وبين نار مقاومة لم تعرف الى الآن كيف تتعاطى مع الحاجات الوطنية الشمولية، بدليل ما حصل ويحصل في مؤتمرات الحوار وبدليل اجبار غير المقاومة على الاخذ برأيها مع علمها ان هؤلاء يجسدون اكثر من نصف الشعب اللبناني.
وعندما يقال مثلاً ان لبنان امام خطر حرب وفتنة لوجود تباين في الرأي وفي النظرة الى ما هو مطلوب عموماً وتحديداً من المحكمة الدولية، يتنطح حزب الله مع الحلفاء للتهديد بالويل والثبور ملوحين بإسقاط شهادة الشهداء والدماء التي قدمت على مذبح الوطن.
لقد قيل في خلال اليومين اللذين امضاهما الرئيس الايراني في لبنان ان من ضمن ما هو مرجو منه وقف الاخذ والرد بين القوى السياسية في البلد لجهة ما يصدر عن حزب الله من مطالبة ملحة بمنع السير بالمحكمة الدولية، وصولاً الى المقايضة بين المحكمة وبين الفتنة!
هذا كله لم يظهر في اي مشهد كلامي للرئيس نجاد، بقدر ما بشرنا بأن وجود الشيطان الاكبر في العراق وافغانستان وباكستان الى زوال ومعه اسرائيل وكل من يقف وراء العدو!
لا خلاف على ان الرئيس الايراني قد استقطب اضواء الداخل بمستوى استقطابه الاضواء الاقليمية والدولية، بدليل رد الفعل الاميركي – الاسرائيلي تحديداً (…)
فضلاً عن الاهتمام العربي بدءاً من مصر والسعودية وصولاً الى سورية وفلسطين (…) وطبعاً لبنان حيث بقيت الزيارة الرئاسية الايرانية بمستوى الحدث المصيري لا سيما ان الزائر قال كلاماً كبيراً لا بد وان يفهم منه ان الامور سائرة الى «رعاية تحركات قد تصل الى حد تغيير الواقع العربي والاقليمي، تحت عنوان تأكيد الدور الايراني!
وبحسب القراءة المتأنية بكل ما قاله الرئىس الايراني منذ وصوله الى لحظة مغادرته، يظهر ان ما رمى اليه في اكثر من جانب من كلامه، ان ثمة ضرورة لإنتظار بعض الوقت. وهذا ما قاله سياسيون من مختلف الاطياف اللبنانية، بما في ذلك شخصيات عربية ودولية قالت بصريح العبارة ان من الضروري معرفة طبيعة مرحلة ما بعد زيارة نجاد، لا سيما ان ما وعد به من مساعدات لن يجد من يعترض عليها في الداخل والخارج، بعكس ما قد يطرأ من مواقف في حال لم يحسن لبنان الرسمي تقديمها ديبلوماسياً واعلامياً بمثابة حاجات ملحة ليست بالضرورة مما له علاقة بالسلاح (…)
والملاحظ ان ما قيل من جانب هذا الطرف السياسي او ذاك، قد يزيد في توضيح بعض ما خفي من زيارة الرئيس الايراني، خصوصاً ان معظم من له علاقة مباشرة او غير مباشرة، يهمه اظهار الزيارة الايرانية في الموضع الذي يفيده، على رغم الملاحظات التي ابديت على خلفيات سيايسة من الصعب تجاهلها. وهذا بدوره يصب في مصلحة حزب الله وحلفائه، من غير حاجة الى تفسير الاسباب والموجبات؟!
وما قيل في الجانب الاسرائيلي يبدو مرفوضاً في المطلق، لا سيما عند اجماع حكومة بنيامين نتانياهو ومعارضة تسيبي ليفني على اعتبار نجاد خطراً على «الامن القومي اليهودي» في زمن الحديث عن مخاوف غير مستبعدة من قبل اسرائيل والغرب عموماً والاميركيين خصوصاً، حيث عرض الرئىس احمدي نجاد كيف يضرب على الوتر العسكري – الشعبي الحساس الذي لم يسبقه اليه معظم من تناوب على القيادة العربية المتطرقة خلال السنوات الاربعين الماضية!
وحدث ولا حرج عن سبب الامتعاض الاميركي من الحركة الايرانية، بالتزامن مع الخوف من الملف النووي ليس كمجرد مدخل الى الحل، بل كمدخل الى حرب لن تقتصر سلبياتها على المنطقة، بحسب اجماع المراقبين العرب والاجانب ممن يعرفون اين نقاط الضعف في الجسم الاسرائيلي التي تطورت في المرحلة الاخيرة من الاستعداد لمهاجمة ايران جواً الى الخوف من ضربة بالواسطة عبر حزب الله. وفي الحالين بدت التصريحات والمواقف الاسرائيلية بمستوى من اصيب مسبقاً بالخوف مما قد يطرأ. مع كل ما يعنيه ذلك من شد حبال استراتيجية – عسكرية غير محمود النتائج!
وفي الحساب الايراني، هناك من يجزم بوجود قدرة لدى السلطة السياسية والروحية في طهران على ترجمة المشروع العسكري خارج ايران وتحديداً في مواجهة «العدو الصهيوني» الذي لا بد وان يكون قد عرف ان ايران قادرة على اتخاذ موقف تصعيدي من دون ان تحسب حساباً لإسرائيل ولغير اسرائيل، الى حد استخفاف طهران بكل ما لحق بها من عقوبات مالية – اقتصادية لو طاولت غيرها لما بقي قادراً على رد التحدي بمثله!
وبالنسبة الى تجربة الاميركيين مع نظام فيديل كاسترو.. ونظام اللانظام في كوريا الشمالية، لا يعقل ان تتصرف اسرائيل وغير اسرائيل بعكس التيار الدولي مهما لقيت من تأييد ودعم من جانب الاميركيين، فيما تعرف واشنطن ان معنويات ايران عالية بعكس معنويات حليفتها اسرائيل في المدى القريب.
ويبقى المهم بالنسبة الى لبنان عدم الانسياق وراء مشاريع لا تقدم حلولاً لمشاكله مهما جرى تلوينها عربياً وقومياً واسلامياً؟!