بما ان زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الى لبنان، جاءت تلبية لدعوة رئيس جمهورية لبنان العماد ميشال سليمان، فمن البديهي، وانسجاماً مع التقاليد اللبنانية العريقة بفتح الابواب والقلوب امام الضيوف، كان شبه الاجماع هذا عند مختلف الفئات والطوائف والاحزاب على الترحيب بهذه الزيارة، ولو ان هذا الترحيب تفاوت عند فئة واخرى، بين ترحيب متحفظ حول الشكل والمضمون، وبين ترحيب مطلق لا يتوقف امام اي تحفّظ او ملاحظة، وصورة الاجماع اللبناني على اختلاف انواعه، اكثر ما تمثلت ففي لقاءات القصر الجمهوري في بعبدا، وفي الغداء التكريمي الذي اقامه الرئيس سليمان على شرف ضيفه وصحبه، الذي جمع الافرقـاء جميعهم، وهذا شأن رئيس الجمهورية منذ انتخابه، ان يجمع اللبنانيين لا ان يفرّقهم كما كان يحصل مع رؤساء جمهورية سابقين، وربما كان لهذا المشهد الجماعي المعبّر، وقعه الحسن على الرئيس الايراني، بحيث جاءت كلمته متوازنة هادئة معتدلة، ارضت الصقور والحمائم عند جميع الفئات، بعكس كلمته في المهرجان الشعبي في ملعب الراية، وفي مدينة بنت جبيل وكأن الرئيس احمدي نجاد، كان يزور دولتين في وقت واحد، وعلى الرغم مما قيل عن الزيارة، قبل حصولها واثناءها، ومما سوف يقال بعدها، حول الجهة التي يفترض ان تقوم بالترتيبات المعهودة في مثل هذه المناسبات، وحول الجهة المعنية بأمن الضيف وسلامته، الا ان الواقع الذي فرض نفسه على الارض منذ وصول الرئيس الايراني الى مطار رفيق الحريري الدولي، دلّ بوضوح على ان حزب الله، هو أمّ العروس، وليس الدولة اللبنانية، قياساً على اللافتات واقواس النصر التي رفعت، والحشود التي استقبلت، واجهزة الامن الخاصة التي سهرت وراقبت وتابعت، على الرغم من الوجود الرمزي عملياً لقوى من لواء الحرس الجمهوري، وهذا الامر، في الواقع الملموس الذي يعيشه لبنان في ظل معادلة الجيش والمقاومة والشعب، تصرّف مفهوم من حزب الله، حتى ولو كان غير طبيعي بالنسبة الى الدولة، اي دولة، حتى ان هذه المعادلة التي ما زالت خلافية بسبب اعتراض البعض عليها، اخطأ رئيس مجلس النواب نبيه بري في التعبير عنها، عندما دعا بكلمته التي القاها في العشاء التكريمي على شرف الرئيس الضيف، الدولة الى تسليح الجيش وتجهيزه من ايران «ليكون الى جانب المقاومة في الدفاع عن لبنان…» لأن اي مسؤول لبناني، وخصوصاً رئيس مجلس النواب، يجب ان يقدّم الجيش اللبناني على اي قوة اخرى بحيث تكون هذه القوة الى جانب الجيش وليس العكس.
* * * * *
مما لا شكّ فيه ان ايران دولة بحجم قارّة، وصداقة مثل هذه الدولة التي تملك مقدرات كبيرة، من حيث المبدأ تصبّ في مصلحة لبنان، انما ما يعيب هذه الصداقة وما يفرملها هو انغماس هذه الدولة في نزاعات عميقة وشديدة وطويلة مع عدد من جيرانها العرب، ومع دول غربية يرتبط معها لبنان منذ زمن طويل بعلاقة صداقة قوية ومصالح واسعة فرضهما وجود جاليات لبنانية كبيرة لها نفوذها وتأثيرها، اضافة الى سوء العلاقة ما بين ايران والمؤسسات الدولية وفي طليعتها مجلس الامن. وهذه جميعها عقبات في وجه اي علاقة مفتوحة على مصراعيها بين دولة ودولة، او بين دولة ايران، وجميع مكوّنات الشعب اللبناني، لأن التفضيل في هذا المجال واضح في مختلف وجوهه السياسية والمالية والاقتصادية والانمائية والثقافية والتربوية وغيرها العديد، لأن الجمهورية الاسلامية الايرانية لم تقدم خيراتها ومساعداتها منذ العام 1982 الاّ لجهة واحدة، وكانت المناطق الاخرى والطوائف الخرى، وما زالت الى حد بعيد، بعيدة عن الكرم الايراني، واذا كانت ايران في طريق تغيير سياستها واستراتيجيتها تجاه لبنان، وفق ما اعلنه الرئيس احمدي نجاد اثناء زيارته الاخيرة، فهذا أمر ايجابي للغاية ويمكن البناء عليه لقيام علاقة بين البلدين والشعبين اكثر وضوحاً وصدقاً، ولكن هذه الخطوة محكومة مسبقاً بالفشل، طالما ان الرئيس نجاد يشدّد على تحول لبنان الى بوابة جهاد ضد اسرائيل، دون ان يأخذ في الاعتبار، ان الاكثرية الساحقة من الشعب اللبناني، مع اعترافها بأن اسرائيل دولة عدوة، الاّ انها تعتبر ان لبنان، وهو الاصغر بين الدول العربية، دفع ثمناً باهظاً جداً من دماء أبنائه وعمرانه واقتصاده وتشريد اهله في مختلف انحاء العالم، من اجل القضية الفلسطينية، في حين ان منظّري الحروب الدائمة والصمود والبطولات، يعدّون العصيّ التي تنهال على لبنان.
* * * * * *
زيارة محمود احمدي نجاد الى لبنان، ليست الاولى لرئيس ايراني، فقد سبق لسنوات عدة خلت، وقام الرئيس الايراني السابق محمد خاتمي بزيارة تاريخية الى لبنان، أسر فيها قلوب اللبنانيين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم واحزابهم، للثقل الثقافي والروحي والانفتاحي الذي تركته زيارته، على عكس اشكالية زيارة الرئيس احمدي نجاد، حمّالة الاوجه والاهداف والرسائل، في هذه الفترة الحساسة، ليس في تاريخ لبنان وحسب، بل في المنطقة ومحيطها والعالم كله، وبسبب شخصية نجاد الصعبة التي لا تلقى ارتياحاً حتى داخل ايران من فئة عريضة من الشعب الايراني.
امّا وقد انتهت الزيارة، فالامل الاّ تنتهي الهدنة التي عرفت باسم «هدنة نجاد».