#adsense

الإستعمار الجديد

حجم الخط

أنَ الأصل اللغوي لكلمة “استعمار” يفيد معنى طلب التعمير أو السعي الى تحقيق العمران، لكنَ الواقع الحقيقي لهذه اللفظة لا علاقة له بالمعنى اللغوي القاموسي، إذ يعني استيلاء دولة على دولة أخرى لنهب ثرواتها واستثمار مرافقها، أو لجعلها محميَة مسلوبة الحرية لأدارتها مباشرة أو من خلف الستار.

في بدايات القرن الماضي، فرضت علينا الدول القوية صيغة اعتبرتها المرجعيَات الدولية الفاعلة آنذاك الحل الأيجابي لمدمكة الكيان الوطني، وهو ما عرف يومها بالإنتداب. فكان لبنان من “حصَة” فرنسا. وبالرغم من الإيجابيات الحضارية التي تركتها بصمات الإنتداب عندنا، من ترسيخ مبادئ الثورة الفرنسية الى الإنفتاح على ثقافة الغرب الغنيَة، غير أنَ التحرَريين من أهلنا خاضوا مواجهات جسورة مع ما اعتبروه استعمارا مرفوضا، لأنهم طلاَب حرية. .
واليوم نحن أمام مشروع مشبوه يرمي الى فرض استعمار جديد، لكنَه ليس بالطبع فرنسيا. فـ”المشروعيَون” يتوسَلون الخطاب الأيديولوجي الذي لا يتردد في تثوير العواطف وتوظيف العنصرية الدينية، وهو خطاب استنهاضي شاحذ لهمم الأنقلاب على الدولة بصيغتها الراهنة. ويرفع خطابهم في الظاهر منسوبا من الشعارات الجاذبة التي تدغدغ استمالة الناس كالسعي للخروج من نفق التخلَف، وتحقيق الأصلاح السياسي والأقتصادي، وردم الهوَة بين السلطة والشعب، واستعادة كرامة الأمَة… وهي في حقيقتها تشكَل تمويها ذكيَا لتسويق بنود أجندة خارجية تسعى الى بسط حيثية كولونيالية جديدة تذكَرنا بسياسة التتريك التي مارستها السلطنة العثمانية ضد الشعوب العربية في زمن الأنحطاط.

ولما كان قدر لبنان أن يكون فريسة في أشداق القوى الأقليمية، ولما كان ذا موقع استراتيجي متقدَم، عمل ممتهنو الأزمات على التمهيد لغزو من نوع آخر، في أطار خطَة مبرمجة تبدأ بالهيمنة الأمنية التي تتمَ على أيديهم، وتستتبع بهيمنة سياسية، عملا بالعرف السائد بأنَ من تمَ استعماره أمنيا، سيستعمر بالضرورة في المجالات الأخرى. وهذا يعني هيمنة أستعمارية جديدة أو نيوامبريالية، قوامها هدم مكتسبات الأنفتاح على الحضارة العالمية، من حرية وعدالة وحقوق، وعودة الى نظام الخلافة الذي يسترشد بمناهج الآيات العظمى.

لكنَ الأستعمار الجديد سيثبت أنَه أسوأ من سلفه. أنطلاقا من أنكاره للهوية الوطنية، وتهميشه للشرعية الدولية من خلال رفض كل ما يصدر عنها من قرارات ذات صلة بقضيتنا، واستبداله الديمقراطية بتيوقراطية راكدة. وما مجاهرة القادة المحليين بولائهم لمرجعيَات دينية وراء الحدود سوى برهان ساطع على أنَ كلامهم عن “الوطنية” لم يكن ألاَ أقراصا منوَمة.

انَ هذا الأستعمار الذي يرتدي عباءة المساعدات والعمارة، يلجأ الى البروباغاندا أي الدعاية الرخيصة لاستقطاب العقول والقلوب، باستخدام شعارات برَاقة لا تلبث أن تتضَح خلفيَاتها أو نواياها، وتذكَرنا بعمل الوكالة اليهودية في فلسطين التي قامت بشراء العقارات وممارسة الترويع والترهيب تمهيدا لأعلان دولة اسرائيل. إنَ بعض الداخل وبعض الخارج، يتطلَع الواحد منهما صوب الآخر، لكنهما يتطلَعان معا في اتجاه واحد، وهو فتح باب جهنم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل