انتهت الزيارة الرسمية التي قام بها للبنان الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد.
ومع ان الدولة اللبنانية عدلت برنامجه السابق بهدف توسيع رقعة الاحتفالات… الا ان الاستقبالات الشعبية التي نظمها له "حزب الله" تجاوزت كل توقعات مظاهر الترحيب.
في خطابه السابق دعا السيد حسن نصرالله، الشعب اللبناني الى تقدير دور ايران – السياسي والمادي – في دعم حركة الصمود ضد العدو الاسرائيلي. وطالب الجمهور باستقبال يليق برئيس جمهورية الثورة الاسلامية الذي جعل القضية الفلسطينية في رأس اهتماماته الاقليمية والدولية.
وكشف أمين عام "حزب الله" في خطابه ايضاً عن بعض جوانب الدعم، فقال: "في الثمانينات والتسعينات عندما كانت اسرائيل تهدم البيوت، ولا تستطيع الدولة اللبنانية ان تعوض على المتضررين، قدمت ايران مبالغ طائلة وضخمة، منذ ذلك التاريخ وصولاً الى حرب تموز".
صحيفة "نيويورك تايمز" نشرت في منتصف شهر نيسان 2006 جزءاً من التقرير الذي قدمه البنتاعون الى لجنة الدفاع في الكونغرس. ويدّعي التقرير ان ايران دفعت مبالغ طائلة تقدير بمئتي مليون دولاراً، وعززت ترسانة "حزب الله" بصواريخ متطورة كثمن لتحقيق طموحاتها الاقليمية.
وهذا ما أعلنه الرئيس نجاد الذي وصف انتصار "حزب الله" في حرب تموز، بأنه أوصل حدود ايران الى حدود اسرائيل. وهذا هو المعنى الرمزي من وراء زيارة بنت جبيل التي هدمها القصف الاسرائيلي، ودخل اسمها في المصطلحات العسكرية كـ"ستالينغراد لبنانية" و"عاصمة المقاومة". خصوصاً انها لا تبعد أكثر من مسافة ستة كيلومترات – بخط مستقيم – عن الناقورة.
وفي ضوء ما وفّره انتصار "حزب الله" لايران من حضور على ارض الجنوب اللبناني، اصبحت طهران عنصراً مؤثراً في حل قضية الشرق الاوسط. تماماً، مثلما تحولت عاملاً مؤثراً في مستقبل العراق ايضاً. ويستدل من تشكيل الوفد التجاري المرافق للرئيس نجاد، ان العلاقات الايرانية – اللبنانية لم تتغير منذ قرن تقريباً، أي منذ تعيين عباس حسامي أول قنصل لطهران في بيروت عام 1912.
عام 1927، أي بعد اعلان لبنان الكبير، رفعت طهران مستوى القنصلية الى قنصلية عامة، واختارت عباس فرهور لهذا المركز الذي شغله حتى عام 1933.
بعد اعتراف ايران باستقلال لبنان وسوريا، رفعت درجة التمثيل الديبلوماسي الى درجة سفارة، وعينت لهذا المنصب رحمت الله أتابكي الذي شغله حتى عام 1958. وفي ايامه زار الشاه محمد رضا بهلوي لبنان تلبية لدعوة صديقه الرئيس كميل شمعون، الذي زار طهران عام 1956.
وعلى الرغم من بناء علاقات وثيقة بين الشاه وشمعون، فإن العلاقات الديبلوماسية بين بلديهما، تعرضت لانتكاسات متواصلة، أدت في بعض الاحيان الى المقاطعة.
القطيعة الاولى حدثت عام 1965 اثر تصريح أدلى به وزير الاعلام الكويتي في مطار بيروت، اعتبرته طهران مسيئاً لها.
والقطيعة الثانية حدثت بسبب امتناع الحكومة اللبنانية عن تسليم الجنرال تيمور بختيار، رئيس منظمة "السافاك"، الذي لجأ الى لبنان. وقد استقطبت معركة استرداده عناصر غير سياسية كالبطريرك المعوشي الذي طالب بعدم تسليم بختيار خوفاً من اعدامه. كذلك نجح محاميه شاكر أبو سليمان، رئيس الرابطة المارونية، في خلق تيار سياسي معارض للترحيل.
واستمرت القطيعة الديبلوماسية حتى عام 1971، أي عندما قام الرئيس كميل شمعون بزيارة شاه ايران، بناء على طلب من الرئيس سليمان فرنجيه. ونجح شمعون في ترميم العلاقات المتردية، واتفق مع الشاه على استئنافها بواسطة السفير خليل الخليل وسفير ايران لدى لبنان ركن الدين اشتياني. واللافت ان التقارير التي ارسلها الخليل الى الخارجية كانت تشير صراحة الى احتمال نجاح المعارضة في هدم نظام الشاه، حتى قبل عودة آية الله الخميني من فرنسا الى ايران. عقب اعلان انتهاء نظام الشاه محمد رضا بهلوي (16 كانون الاول 1979) دخل نفوذ جمهورية الخميني الى لبنان عبر شخصين: الإمام موسى الصدر والرئيس حافظ الاسد.
وفي الخطاب الذي ألقاه السيد حسن نصرالله مساء الاربعاء الماضي في جمهور الضاحية اشاد بالإمام المغيب، مؤسس حركة المحرومين، والمشجع الاول على اسقاط نظام الشاه.
أما موقف الرئيس حافظ الاسد، فقد خضع لحسابات مختلفة تتعلق بمستقبل نظامه داخل القوى الاقليمية. ذلك انه رأى في قيام جمهورية ايران الجديدة، نهاية نظام متعاون مع اسرائيل. كما رأى في دعم ايران للحق العربي بديلاً من مصر التي اخرجتها معاهدة كمب ديفيد من الصف العربي. وكان واضحاً من عملية تسليم مقر السفارة الاسرائيلية في طهران الى منظمة التحرير الفلسطينية، ان الخميني اختار معاداة اسرائيل.
ولمّا اندلعت الحرب العراقية – الايرانية، اكتشف الاسد ايضاً ان وقوفه الى جانب ايران، يساعده على اضعاف أخطر خصومه الحزبيين، أي صدام حسين. ومع دخول القوات السورية الى لبنان عام 1976، دخل نفوذ الثورة الايرانية الى منطقة الجنوب، مستقوياً بخطب الإمام موسى الصدر ونشاطاته السياسية الواسعة.
قبل زيارة الرئيس نجاد الى لبنان، كتب المعلق مناحيم بن في صحيفة "معاريف" مقالة تحت عنوان: حان الوقت لاغتيال الرئيس نجاد اثناء زيارته لبنت جبيل، خصوصا بعدما أظهرت استطلاعات الرأي ان ثلث الاسرائيليين سيهاجرون في حال حققت ايران قدرات نووية. ويدعي مناحين بن ان ادارة اوباما مع مئة سيناتور في مجلس الشيوخ، يؤيدون هذا القرار بعد الخطاب الاستفزازي الذي القاه نجاد في الامم المتحدة، متهما ادارة بوش بالتخطيط لعملية نسف برجي التجارة العالمية في نيويورك.
وذكرت صحيفة "هآرتس" ان اسرائيل مررت رسائل عدة الى الدولة اللبنانية بواسطة واشنطن وباريس وامين عام الامم المتحدة بان كي مون، تطالب فيها بالغاء زيارة الرئيس الايراني الى جنوب لبنان. واعرب المسؤولون اللبنانيون عن استهجانهم لمثل هذا الطلب كونه يتنافى وحق السيادة الوطنية.
وترى واشنطن ان هذه "السيادة" معرّضة للاختراق والزوال اذا ما نجحت ايران في السيطرة على الوضع اللبناني عبر حلفائها مثل "حزب الله" و"امل" و"تكتل التغيير والاصلاح" و"المردة". كما ترى في خطاب رئيس الجمهورية ميشال سليمان، تحولا عن الثوابت التي اعلنها في جلسة القسم. ولم تخف وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون تخوفها من ان تؤدي زيارة نجاد الى تأجيج التوتر الداخلي، ومن تحويل الجنوب اللبناني "قاعدة ايرانية" عند ابواب الدولة العبرية!
كذلك انتقدت القيود التجارية التي ستشل الاقتصاد اللبناني عبر 16 اتفاقية تجارية. واستهجن وزير الطاقة اللبناني جبران باسيل منطق الوزيرة الاميركية، لأنها ترفض مساعدة لبنان… ولا تسمح لدول صديقة بمساعدته.
وكان بهذا الكلام يشير الى رفض البنك الدولي تقديم تسهيلات مالية من اجل دعم الكهرباء والماء بينما قدمت ايران لوزارة الطاقة تسهيلات مالية بمبلغ 450 مليون دولار.
ومن المؤكد ان الاتفاقيات التجارية لا تقلق الولايات المتحدة بقدر ما يقلقها دور ايران العسكري والاستراتيجي. فهي تملك ترسانة حربية ضخمة مزودة بالصواريخ والبوارج والغواصات. وهي دائما مستعدة لدعم حلفائها بالسلاح والأعتدة مثل "حزب الله" و"الجهاد الاسلامي" و"حماس".
ويستدل من المعايير السياسية التي حددها السيد حسن نصرالله في خطابه امام الرئيس نجاد، ان ايران واصدقاءها نسفوا مشروع التسوية السلمية وأقفلوا الطريق امام فكرة "الدولتين لشعبين" واعادوا عقارب الوقت الى سنة 1967 والى احياء لاءات الخرطوم، كما اعلنها جمال عبد الناصر. ومثل هذا الخيار الصعب سيؤدي حتما الى نشوب حرب في المنطقة.
في ختام زيارته لدمشق، قال احمدي نجاد "ان سوريا وايران حققتا انتصارات كبيرة لأنهما أفشلتا مخططات الاعداء لتغيير الخريطة السياسية في المنطقة". وقال ايضا "ان دول المنطقة تنضم واحدة تلو الاخرى الى هذا الخط الذي تسير في مقدمته سوريا وايران".
ولكن، من اي دول يتألف هذا الخط؟ في "مهرجان الضاحية" اختصر الرئيس نجاد هذا الخط السياسي بالقول: "ان جبهة مقاومة الشعوب في فلسطين ولبنان وسوريا وتركيا والعراق وايران قد تألفت بالفعل"!
وبما ان هذه الجبهة تتألف من شعوب وطوائف مختلفة، فان حصرها بالقوى الشيعية في ايران والعراق وجنوب لبنان، يبقى مخالفا للواقع. وهو عندما ذكر فلسطين كان يعني "حماس" و"الجهاد الاسلامي" وليس فلسطين محمود عباس. فهل يسري هذا التصنيف على لبنان، بحيث تكون الدولة مشمولة ايضا وليس "حزب الله" و"امل" فقط؟!
كلام الرئيس نجاد اعاد الى ذاكرة بعض اللبنانيين مخاطر انحياز الرئيس كميل شمعون الى "حلف بغداد" الذي تألف سنة 1957 من العراق وتركيا وباكستان وايران. وتصدى له على الطرف الآخر، صائب سلام وعبدالله اليافي ورشيد كرامي وحسين العويني بدعم من عبد الناصر.
وكان من نتيجة ذلك الصدام الاقليمي ان اندلعت حرب 1958 على الساحة اللبنانية.
فهل يكرر التاريخ نفسه في لبنان؟
لبنان: من حلف بغداد إلى تحالف طهران!
المصدر:
النهار