الفرق بين الحق والزور استقالة
عبدو شامي
تركز قوى "8 آذار" حملتها الانقلابية لضرب المحكمة الدولية لبنانيا على ملف ما تسميه "شهود الزور"، متهمة فريق "14 آذار" وشخصيات بارزة فيه بفبركة هؤلاء الشهود وتلقينهم ما ادلوا به من افادات لتضليل التحقيق الدولي.
ولا ريب ان ملف "شهود الزور" ان سلّمنا بوجودهم خاسر قضائيا وفارغ قانونيا وغير قابل للولادة اصلا، لأن مكوناته التي يفترض انها افادات الشهود "المزورة" لا تزال في عهدة المحكمة الدولية التي ترفض الافراج عنها قبل اعلان نتائج التحقيق حفاظا على سريّته.
لكن بعيدا عن المعنى القانوني لذلك المصطلح، هل ارتكبت قوى "14 آذار" فعلا جرم شهادة الزور في السنوات الماضية كما تزعم القوى الانقلابية؟
نعم، لقد اقترفت القوى الاستقلالية مكرهة جرم شهادة الزور! فعندما وقّعنا على اتفاق الدوحة الذي منح قوى "8 آذار" الثلث القاتل وفرض اعرافا جديدة مخالفة لاتفاق الطائف، كنا شهود زور.
وعندما شرّعنا السلاح الميليشيوي في البيان الوزاري عام 2008 وجددنا تشريعه عام 2009، كنا شهود زور.
وعندما قبلنا بحلول ما يسمى "الديموقراطية التوافقية" مكان الديموقراطية البرلمانية الاكثرية، كنا شهود زور.
وعندما سمحنا للقوى الخاسرة بعد انتصارنا في انتخابات حزيران 2009 بتحييد دستور الطائف ونسف ابسط مفاهيم النظام الديموقراطي واعادة انتاج اتفاق الدوحة وتمديد مفاعيله، من خلال الموافقة على تأليف حكومة ابقت القديم على قدمه سواء فيما يتعلق بإعادة فرض الثلث المعطل وإن بصيغة مموّهة، او فيما خص اعادة تشريع السلاح الميليشيوي وتوزير الراسبين في الانتخابات، ومع ذلك اسميناها "حكومة وحدة وطنية"، كنا شهود.
ثم عندما اعدنا اتنخاب نبيه بري رئيسا لمجلس النواب رغم اقفاله اياه زهاء عامين معطلا الحياة الدستورية في احرج الظروف واشدها مصيرية، كنا ايضا شهود زور.
واذا بقينا نوهم انفسنا وجمهورنا اننا لا نزال اكثرية في التشكيلة الحكومية الحالية، لن نكون الا شهود زور.
فمع انسحاب النائب وليد جنبلاط من قوى 14 آذار في 2 آب 2009، وتأكيده على تموضعه الجديد في صميم قوى "8 آذار" يوما بعد يوم، لم يعد للقوى الاستقلالية في "حكومة الدوحة الثانية" المشكّلة وفق صيغة الـ15-10-5 سوى 12 وزيرا (وربما 11وزيرا اذا ما اعتبرنا ان الوزير محمد الصفدي لا يزال في صفوفها بعد مواقفه بشأن القرار الظني المتماهية مع القوى الانقلابية)، مقابل 14 وزيرا لقوى 8 آذار مع احتساب الوزير "الضامن" المموّه،(وربما 15 بعد إضافة الوزير الصفدي). اذ بعد تندّم جنبلاط على اعوام النضال المشرفة ووصفه اياها بـ"الغربة المقيتة في تاريخه وتاريخ الجبل"، وأسفه على مساهمته في انشاء المحكمة الدولية، وتطاوله مرارا على مسيحيي 14 آذار سواء عبر وصفهم بـ"الـيمين الغبي" او"الفينيقي"، لم يعد بالامكان احتساب وزرائه الثلاثة ضمن حصة القوى الاستقلالية وان ادعى الف مرة انه لا يزال حليفا لرئيس الحكومة. وبالتالي علينا الاعتراف اننا بعد شهادات الزور المتكررة بتنا مجرد واجهة تمويهية لسلطة تسير وفقا لاجندات محاور خارجية لها مشاريعها العقائدية المناقضة للصيغة اللبنانية.
واننا اذا تأملنا هذا الواقع الأليم، سندرك ان حلفاء سوريا وايران تمكنوا من وضع اليد مجددا على الدولة اللبنانية، على الصعيدين الامني والحكومي على اقل تقدير. ففيما يتعلق بالاول، ها هم يصوبون سهامهم على شعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي لانها الجهاز الامني السيادي الوحيد المتبقي في لبنان؛ وفيما يتعلق بالثاني، اعادوا الحكومة الى ما قبل عام 2005 عندما كان رئيسها رفيق الحريري والطاقم الوزاري المحسوب عليه محكومَين بإملاءات الوصاية السورية في رسم السياسات ووضع المعايير، لكن مع فارق تحوّل هذه الوصاية الأحادية الى وصاية سورية-ايرانية مشتركة.
والآن لم يعد امام الفريق الانقلابي المسلح لكي يستعيد الامساك بالدولة بشكل كامل ونهائي سوى معركة اسقاط المحكمة الدولية لبنانيا، التي يعني فوزه فيها القضاء على آخر ما تبقى من مفاعيل "ثورة الارز" ومنجزاتها، وربما استغلوا الازمة المتولدة حول المحكمة لجرّ لبنان الى وضع دستور جديد يتناسب مع تعاظم حجم الطائفة الشيعية التي يحتكر قرارها سياسيا وعسكريا وديموغرافيا "حزب ولاية الفقيه".
وهذا احتمال مطروح بقوة بعد قول عضو كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب نواف الموسوي في17/9/2010: " "أتوجه الى كل من يسمعني في لبنان والخارج من أفراد ودول وأجهزة أمنية ومخابرات أنه في لبنان اليوم، لا يوجد إنقلاب أو صراع بين المعارضة والمقاومة وجميل السيد وبين الدولة والقضاء والأمن كما يحلو لبعض من أفراد فريق السلطة والقضاء أن يقولوا(…) ان الصراع اليوم هو على موقع لبنان".
فإذا صدر القرار الظني المرتقب في قالب قطعي ودامغ ترتضيه العقول ويتلقاه كل منصف بالاذعان والقبول، ومع ذلك اصر الفريق الانقلابي على المكابرة رافضا القرار ومتهما اياه بالتسييس والمؤامرة، واخذته العزة بالاثم فنفذ تهديداته مستخدما سلاحه الفتنوي والفئوي مجددا في الشارع، فايقظ الفتنة واشعل نارها ونفخ فيها وشل المؤسسات الرسمية ونشر الفوضى وخطف الدولة واوصلنا الى الطريق المسدود، معلنا ان لا رجوع عن انقلابه الا باستصدار قرار حكومي بالاجماع يعلن فيه لبنان رفضه القرار الظني وان المحكمة مسيّسة وانه غير معني بها… فحينئذ يصبح الفريق الاستقلالي –ومن ضمنه الرئيس الحريري– مدعوا الى وقفة عز وشرف وصدق مع الله والشهداء والوطن والضمير، وفاء لقضيته وثورته وصونا لكرامة شهدائه وحفظا لمكانة الرئاسة الثالثة، من خلال اختياره التمسك بشهادة الحق واتخاذ القرار الشجاع بالاستقالة من الحكومة بدلا من الاذعان المذل لطلب الفريق الانقلابي باغتيال الشهداء مرتين، والوقوع في شهادة الزور مجددا، لكن هذه المرة على سقوط الدولة باسقاط العدالة وتشريع الجريمة السياسية امام كل من عجز عن مجاراة خصومه في العمل السياسي فقرر اللجوء الى الحذف الجسدي.
وعندئذ فلتشكل قوى 8 آذار وحلفاؤها بحجمهم الجديد حكومة تتخذ لهم ذلك القرار الذي لن يقلب الحقيقة في عقول الاحرار، ولتعد قوى 14آذار الى موقع المعارضة متعلمة من اخطاء الماضي ومستبدلة روحه الانهزامية بثقافة الشجاعة والادارة بواقعية، والتنظيم والوحدة والرؤية الاستراتيجية، والقيادة الواعية والاهداف المحددة بدقة وموضوعية، ولتحاول اعادة انتاج ثورتها بخطاب استنهاضي جديد، متبنية منطق استكمال المواجهة السلمية المشرّفة على كلفتها الامنية الباهظة وان انتهت بانهزام، بدلا من الرضوخ للحالة الميليشيوية بالتنازل المخزي مقابل العيش باستقرار ممزوج بذل واستسلام.