ما دام الجميع يرفضون الفتنة فلماذا التخويف بإشعالها؟
الملفات الشائكة تبتّ بالوسائل المشروعة ضمن المؤسسات وخارجها
اذا كانت قوى 8 و14 آذار تلتقي على رفض الفتنة وكذلك الدول الشقيقة والصديقة بما فيها ايران وتعلن حرصها على الاستقرار في لبنان، كما ان الرؤساء والوزراء والنواب والقادة الامنيين والعسكريين اكدوا ان لا مكان لاشعال هذه الفتنة وسيتم التصدي بشدة لمشعليها، فمن ذا الذي يستطيع اذا ان يشعلها الا إذا كانت الاقوال غير الافعال؟ ولماذا الخوف منها او التخويف بها اذا كانت هذه المواقف صادقة؟
الواقع ان مبرر تشكيل حكومة وحدة وطنية، هو انها قادرة اقله على حفظ الامن والاستقرار في البلاد وان لم تكن قادرة على استجابة مطالب الناس والاهتمام باولوياتهم لانهم قادرون على ان يتدبروا امورهم اذا تأمن لهم الاستقرار. فلماذا تخويفهم عند كل جلسة تعقد لمجلس الوزراء وتطرح فيها مواضيع مثيرة للخلاف ما دامت وسائل مواجهتها تكون مشروعة وديموقراطية وليست في الشارع أو بقوة السلاح؟
لقد قام خلاف بين وزراء 8 و14 آذار على بعض التعيينات فتم التوصل الى اتفاق في شأنها. وقام خلاف على بعض بنود الموازنة ولا سيما ما يتعلق بتمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وما يتعلق ايضا بقطع الحساب، واقتصر الخلاف حول هذه المواضيع وغيرها على تبادل الاتهامات والكلام العالي النبرة وان كان قد وتر الاجواء الا انه لم يفجرها. ويواجه الوزراء خلافاً اشد على ملفات شائك يغلب عليها الطابع السياسي اكثر منه القانوني، وهي ملفات شهود الزور. والقرار الظني ومصير المحكمة. فهل يمكن ان يؤدي استمرار الخلاف حولها الى فتنة؟ وهل يعقل ان يكون لبنان مهدداً بأمنه واستقراره كلما اختلف اهل الحكم سياسياً او شخصياً او قانونياً في حين ان لحسم الخلافات آلية داخل المؤسسات وآلية خارجها؟ فالآلية داخل المؤسسات لحسم الخلاف هي في التوصل الى توافق، او بالتصويت او بابقاء الموضوع عالقاً، او بمقاطعة الوزراء الجلسات كوسيلة للضغط الى ان يصير اتفاق وتوافق او الاستقالة من الحكومة حتى وان ادت الى ازمة وزارية يستعصي حلها وكانت النتيجة فراغ حكومي قد يؤدي الى ازمة حكم لان اضرار ذلك يبقى دون كوارث الفتنة.
اما الآلية التي تستطيع المعارضة اعتمادها خارج المؤسسات فهي الدعوة الى تظاهرات سلمية مع تحميل الداعين اليها مسؤولية اي ضرر يلحق بالممتلكات العامة والخاصة، او الدعوة الى مسيرات او اعتصامات شرط ان تتم خارج الاملاك العامة والخاصة كي لا تلحق ضرراً بمصالح الوطن والمواطن، كما حصل قبلا في اعتصام الخيم في الوسط التجاري للعاصمة بهدف اسقاط الحكومة فكانت النتيجة ان سقطت الحركة السياحية والاقتصادية والتجارية المزدهرة في البلاد، وعندما لا تكون المعارضة قادرة على حمل الحكومة على الاستقالة لقلة عدد وزرائها فيها او لقلة عدد نوابها في المجلس عند طلب حجب الثقة فان سلاح المعارضة الاقصى يبقى سلاح الشعب والاحتكام اليه بالدعوة الى اضراب عام مفتوح، فاذا لبت الاكثرية الساحقة هذه الدعوة، فلا بد للحكومة ان ترحل وهو ما حصل عندما قامت التظاهرات والاضرابات وانتهت باستقالة حكومة الرئيس عمر كرامي، وهو ما حصل عندما تحولت دعوة المعارضة في عهد الرئيس الشيخ بشارة الخوري "ثورة بيضاء" اطاحت عهده.
لذلك، فان المعارضة الحالية اذا كانت معارضة لها شعبيتها فعلا ولا تستطيع لقلة عددها اسقاط الحكومة في مجلس النواب ولا في مجلس الوزراء فليس امامها سوى الشارع لمعرفة من يلبي دعوة المعارضة، ولكن بعيدا من اعمال العنف والضغط والتهديد ولا سيما بالسلاح لان حقيقة موقف الشعب لا يمكن معرفتها الا عندما يعبر عن ارادته بحرية وبدون ضغط واكراه، وعندها تكون القوة للحق وليس الحق للقوة كما حصل في 7 ايار. فعلى المعارضة اليوم عدم اللجوء الى ما يضر الناس بمصالحهم وارزاقهم ما دام لديها القدرة على ترحيل الحكومة باستقالة وزرائها او بحجب الثقة عنها، او باعلان اضراب مفتوح تستجيب له اكثرية الشعب الساحقة. وان اضرابا سلميا هادئاً هو الذي يعبر تعبيراً صحيحا اكثر حتى من النواب عن حقيقة ارادة الناس. وما دام الجميع في الداخل وفي الخارج يرفضون الفتنة وينددون بها والقيادات الامنية والعسكرية تحذر منها وتعلن استعدادها لمنعها وقمعها والضرب بيد من حديد على من يشعلها، فلماذا اثارة الخوف عند الناس كلما كان على جدول اعمال جلسة المجلس الوزراء ملفات شائكة مطروحة اذا كان لا خلاف في مواجهتها على اعتماد الوسائل المشروعة سواء داخل المؤسسات الدستورية او خارجها؟ ولماذا تطرح معادلة: المحكمة او الاستقرار، والمحكمة او الفتنة وضرب السلم الاهلي ما دام في الامكان بلوغ الغاية المطلوبة بالوسائل الديموقراطية والمشروعة وليس بالعنف وبقوة السلاح وهي وسائل غير مشروعة ولا تعبر عن حقيقة ارادة الشعب، كما انها تدل على ضعف المعارضة شعبيا.
ان امام مجلس الوزراء ملفات شائكة لا خوف من بتها او تأجيلها اذا ما صار اتفاق بين قوى 8 و14 آذار على اعتماد الوسائل الديموقراطية المشروعة في مواجهتها سواء داخل المؤسسات الدستورية او خارجها، وهو ما كان يحصل في عهود سابقة وقبل ان يدخل السلاح الى ساحة المواجهة ليصبح كل طرف يحتكم اليه عند كل خلاف حاد. وعندما يتم التوصل الى هذا الاتفاق تنتفي اسباب الخوف من فتنة تنتظرها اسرائيل بفارغ الصبر.
وتعتمد في بت هذه الملفات الاصول القانونية والدستورية وحتى السياسية اذا كانت هي الطاغي. وباعتماد ذلك يمكن هيئة الحوار بت موضوع الاستراتيجية الدفاعية، ومجلس الوزراء بت الخلاف على موضوع الموازنة ولا سيما ما يتعلق ببند تمويل المحكمة وموضوع التعيينات في كل الاسلاك، ومصير ملف الشهود الزور، سواء سلك الطريق القانوني او التسوية السياسية، وكذلك القرار الظني الذي لا بد من انتظار صدوره ايا يكن مضمونه ولا يمكن الحكم عليه مسبقا استناداً الى النيات والشائعات والتكهنات. فكما شاع ان هذا القرار كان يتجه لاتهام سوريا ثم اتجه لاتهام "حزب الله" فقد يتجه لاتهام آخرين، فالمنطق السياسي يقضي بالقول: "وقت اللي منوصل اليه منصلي عليه"… وهذا ما جعل الرئيس حسين الحسيني يقول في حديث له: "ان المخرج الدستوري لازمة المحكمة يكون بالاحتكام الى المؤسسات الحقيقية الناتجة من وجود دولة فعلية ما دام ليس هناك من لا يريد الوصول الى حقيقة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. فمنع الاغتيالات مستقبلا يكون بالقضاء على الاسباب السياسية التي يهدف اليها. فحين يتم الاتفاق على مخرج اقامة الدولة سيستجيب العالم لنا ولسنا نحن من نستجيب له، وفي حال بقاء المناخ الانقسامي في البلاد، فكل طرف سيبقى موظفاً واداة نتيجة ارتباطاته بالخارج واستقوائه به على الداخل وسنبقى منقسمين على كل شيء، ولن تسود الشرعية التي تحمي بقوتها الاكراهية الجميع وسنبقى كما نحن اليوم سلطة خارج النظام لا وجود لضوابط ولقواعد تحكم عملها".