يحرص بعض السياسيين اللبنانيين المهتمين بمتابعة حركة التاريخ ويملكون قدرة تحليل موصوفة لاقناع غيرهم بوجهة نظرهم، على التأكيد بأن التاريخ لا يعيد نفسه ولا يكرر، بل هو حركة دائمة، تفرز احداثاً ووقائع، قد تكون مشابهة لما سبقها في الشكل، لكنها في المضمون تحمل ابعاداً مختلفة لها علاقة بالزمان والمكان والاشخاص والمعطيات، والاّ كانت الحياة عملية اجترار روتينية تنعدم فيها النكهة الخاصة المختلفة التي يمكن تمييزها والشعور بفرادتها.
قد يكون هؤلاء على حق، وخصوصاً انهم يدعمون نظريتهم هذه بحجج وبراهين لا تزعج العقل، بل يتقبّلها بوعي مقرون برغبة في الاستزادة المعرفية مما حمل اليه الماضي، ومما يحمله الحاضر في مقارنة حيادية لا هدف لها سوى الرسو على الحقيقة الكاملة، خصوصاً ان بعض الاحداث على الارض التي شهدها لبنان، تشبه احداثاً حصلت في التاريخ القريب او البعيد، الى حدّ ان جزئياتها وتفاصيلها الصغيرة تتشابه الى حد كبير في الشكل والمضمون.
اذا اخذنا في شكل عام، الفترة التي تولى فيها رئىس الحكومة الاسبق الشهيد رفيق الحريري مهام رئاسة الحكومة بعد انتخابات العام 1992، نجد ان رفيق الحريري، واجه في شكل مرحلي العديد من العقبات التي تواجه اليوم نجله رئىس الحكومة سعد الحريري، ويمكن اختصار هذه العقبات باربع اساسية هي:
أولا: من منطلق ايمانه بضرورة ان يسمح للبنان بالتنفّس بعد سنوات الحرب الطويلة، سعى جاهداً الى اعادة الجنوب الى الوطن بإرسال الجيش الى الجنوب ليأخذ مكانه مع اهله بدلاً من جيش الاحتلال وجيش المتعاونين معه، على قاعدة انه يكفي لبنان الاستمرار في دور هانوي، ودفع الحريري ثمن هذا الايمان في ما بعد بتقييد حركته السياسية. وهذا الدور تقوم به قوى 8 آذار اليوم في ما خص احترام القرار 1701.
ثانياً: على شاكلة ما يحدث اليوم في مجلس الوزراء من محاولات لعرقلة عمل رئىس الحكومة سعد الحريري، واجه رفيق الحريري الى فترة ليست بالقصيرة عدداً من الوزراء، وصفوا باسم «الوزراء المشاكسين» كانت مهمتهم عرقلة المشاريع التي كان الحريري يطرحها، ما دفعه في مرحلة من المراحل الى الاعتكاف لدفع الممكسين بالقرار اللبناني الى ترتيب الامور بالتي هي احسن.
ثالثاً: في بداية عهد العماد اميل لحود تجاوز لحود ما نصّ عليه اتفاق الطائف لمنع وصول رفيق الحريري الى الرئاسة الثالثة باعتماد بدعة تجيير اصوات النواب، وهذه العملية التي احترمها الرئيس العماد ميشال سليمان عند تكليف سعد الحريري، افشلتها قوى 8 آذار وفي طليعتهم العماد النائب ميشال عون، عندما فرضوا على رئىس الحكومة المكلف اسماء وزراء لا يرغب بهم في وزارته وهذا حق من حقوقه، مثلما كان حق والده الذي صادره الرئيس لحود.
رابعاً: وهي العقبة الابرز التي يستعيدها التاريخ والتي واجهت الاب والابن معاً، عندما حاولوا منع رفيق الحريري من ان يكون زعيماً وطنياً، بتقييد زياراته الى بعض الاقضية مثل عكار والبقاع الغربي والاقليم وغيرها، كما ومنعه من القيام بأي نشاط انتخابي خارج العاصمة بيروت مع فرض مرشحين عليه في بعض دوائرها، وافهامه بأن يهتم بالمال والاقتصاد فحسب وليترك السياسة الى الممسكين بالقرار.
الجمهور المليوني في 14 اذار 2005 كسر جميع العوائق والممنوعات، وكرّس سعد الحريري ابن الرئيس الشهيد رفيق الحريري زعيماً وطنياً عابراً للطوائف، فالتقى مع المسيحيين والدروز وفريق من الشيعة، وهو السنيّ، في تحالف وطني تاريخي عريض، وفرضت وحدة المسيحيين والمسلمين واقعاً صحياً جديداً على الارض، لم تستطع القوى التي شاكست الحريري الاب وعارضته وحجّمته، ان تقبله، وعملت منذ نشوئه على ضربه والاجهاز عليه في مختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة، فاستمالت زعيم التيار الوطني الحر العماد ميشال عون الى جانبها ملبّية له كل ما يرغب ويطلب من دعم، بقصد شق الصف المسيحي، فكان لها ما ارادت، وارتدّت الى الزعيم الوطني وليد جنبلاط، الذي لعب دوراً تاريخياً مميزاً في قيام الوحدة المسيحية ـ الاسلامية، ونجحوا بالنار في تحجيمه واعادته زعيماً من زعماء الدروز يخاف عليهم ويحضنهم ويحاول ابعادهم عن المكاره ليس إلا، وبقي سعد الحريري عقدة العقد، لأن تمسكه بحلفائه المسيحيين يعطّل السعي الدؤوب لتثبيت الامارات المذهبية، ونزع صفة الزعيم الوطني من جميع القيادات اللبنانية، لتعود الساحة اللبنانية، ساحة قابلة للاشتعال الطائفي والمذهبي غبّ الطلب، وليست محصّنة كما هي اليوم وفي شكل معقول، لهذه الاسباب يقال اليوم ان لا بديل عن سعد الحريري رئىساً جديداً للحكومة في حال استقال او اسقطت الحكومة، لانه الزعيم السني الأول، ولا يقال انه وطني بامتياز يتمسك باتفاق الطائف وبالعيش المشترك وبالمناصفة والمساواة وله طروحات متقدمة في النظرة الى مستقبل لبنان سياسياً واقتصادياً وعمرانياً، وهو منفتح على العالم كله، هذه امور لا تعني جماعة 8آذار، ما يعنيهم ان الرئيس نبيه بري هو الاول في الميزان الشيعي، ولذلك يجب ان ينتخب رئىساً لمجلس النواب خلافاً للديموقراطية، وسعد الحريري الاول سنياً والرئاسة الثالثة محفوظة له، وميشال عون الاول مارونياً ـ وفق قولهم واحصاءاتهم ـ وكان يجب تطويبه رئىساً للجمهورية.
هذه المواقف المرضية المستنسخة من الماضي القريب، لا بد من مواجهتها لاسقاطها، بمثل ما اسقطت حركة 14 آذار المواقف والسياسات السابقة التي تشبه ما يحدث اليوم، واسقاطها يتطلب عملين اثنين، وقفة رجولة وكبرياء وشجاعة من قيادات 14 آذار الحاليين والذين خرجوا منها، وتمتين الوحدة الاسلامية ـ المسيحية وتصليبها للوقوف في وجه الفتن والمؤامرات.
يريدون سعد الحريري زعيماً سنياً، واللبنانيون يريدونه ان يبقى وطنياً حتى من دون زعامة.